"يقول أصحاب هذا المذهب: إن العقل الإنساني قاصر عن أن يعرف طبيعة الإله، وعن أن يحيط به ولو إحاطة جزئية. إنه عاجز عن تصوره وعن التعبير عن طبيعته، وعّبر البعض عن هذا الرأي بقولهم عن الله: (كل ما يخطر في بالك فهو خلاف ذلك) ."
وقبل أن نتابع بقية كلامه نقول: هذا كلام لا علاقة له بالمقدمة التي افتراها، فكون العقل الإنساني قاصرًا عن تصور ذات الخالق جلَّ وعلا، وعاجزًا عن معرفة كنه هذه الذات، لا يعني بحال من الأحوال أن ذاته سبحانه مناقضة للمنطق ومتنافية مع العقل. جُلُّ ما في الأمر إثبات العجز للجهاز المدرك، علمًا بأن العقل عاجز عن إدراك أو تصور كثير من الحقائق العلمية الثابتة في الكون المادي المدروس، حتى إن العقل لم يستطع إلى يومنا هذا أن يدرك كنه ذات نفسه، فهل جهله بذات نفسه ينفي وجوده، باعتبار أن هذا الجهل مناقض للمنطق ومتنافٍ مع العقل بحسب دعوى (د. العظم) ؟
هذا كلام فارغ وسخيف ومتهافت لا يقبله من لديه مثقال ذرة من عقل، وهو في حقيقته يسخر من قائله ولا يخدع قارئه.
ثم إن (د. العظم) بعد أن وضع المقدمة المفتراة، وبنى عليها مسألة غير ذات علاقة بها مطلقًا بقصد المغالطة والتضليل، قال موجهًا اعتراضاته:
"توجد عدة اعتراضات على هذا الموقف. أولًا: هل بإمكاني أن أقيم علاقات جدية بيني وبين هذا الإله، الذي تتجاوز طبيعته تجاوزًا مطلقًا منطقي ومشاعري وأفكاري ومثلي وآمالي؟ هل بإمكاني أن أجد عزاء في إله جُلُّ ما أعرفه عنه أنه مهما خط في بالي من أفكار وصفات فهو يختلف عنها اختلافًا مطلقًا؟ إن وجود مثل هذا الإله وعدم وجوده سيان بالنسبة إليه. إن هذا الإله ليس إلا تجريدًا فارغًا من كل معنى ومحتوى، ولا يمكن لإرادة إنسان أن تتعلق بتجريد محض، تجاوز بمراحل التجريد الذي وصفه أرسطو باسم (المحرك الأول) فإذا كان بإمكانك أن توجه ابتهالًا أو دعاء إلى المحرك الأول فمن المؤكد أنك لن تستطيع أن توجه لإله لا يمكنك أن تصفه بشيء على الإطلاق، لأنه بطبيعته مخالف لكل ما يرد في ذهنك من أفكار وكل ما تنطق به من صفات".
هذا هو الاعتراض الأول الذي وجَّهه، وهو بهذا الكلام يضيف إلى افترائه في المقدمة ومغالطته فيما بنى عليها، فيطرح هنا كذبًا جديدًا ومغالطة في الحقائق ويدَّعي على الفكر الإسلامي تعميمًا كاذبًا مخالفًا للحقيقة تمامًا.
إن أحدًا من المسلمين لا يقول: إن العقل قاصر عن أن يعرف شيئًا عن الله الخالق جلَّ وعلا، أو قاصر عن أن يحيط ولو إحاطة جزئية بصفاته، فهذا من الكذب على المفاهيم الإسلامية.
لكن الذي يقوله المسلمون إنما هو منحصر في معرفة كنه ذات الخالق، والذات شيء والصفات ذات الأفعال والآثار شيء آخر، فقول المسلمين:"كل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك"، قول منحصر في معرفة كنه ذات الخالق، لا في معرفة صفاته، وذلك لأن تصورات الأفكار كلها مقتبسة من صور الكون الحادث، وهذه الصور المادية لا تليق بكمال الله جلَّ وعلا، إذ ليس كمثله شيء، ولا يتوقف على معرفة كنه ذات الخالق شيء من الإيمان ولا من العلاقة به.
إننا نتعامل مع كثير من طاقات الكون دون أن نعرف كنه ذاتها. عقولنا لا نعرف كنه ذاتها. معظم ما هو داخل في أجسامنا لا نعرف كنه ذاته.
أفيؤثر هذا على إيماننا بها وتعاملنا معها؟