فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 172

ولا بد أن يلاحظ القارئ حشد المغالطات التي صنعها (د. العظم) ويكتشفها ويعرف ما فهيا من زيف لا يحتاج كشفه إلى كد ذهني.

لقد جعل الشيء الذي يعجز العقل عن إدراكه وتصوره شيئًا مناقضًا للمنطق ومنافيًا للعقل، وهذا باطل بداهة كما أوضحنا، إن أمورًا كثيرة جدًا يعجز العقل عن تصورها وتحديد ذاتها وهي واقعة فعلًا، وحينما يدركها العقل لا يرى فيها مناقضة للمنطق ولا منافاة للعقل. الأعمى يعجز عن تصور الألوان، مع أن الألوان لا تناقض المنطق ولا تتنافى مع العقل، لا في مفهوم المبصرين ولا في مفهوم العميان.

ليكن واضحًا لدينا تمامًا أن قصور الجهاز المدرك عن إدراك بعض الحقائق لا يعني بحال من الأحوال أن هذه الحقائق مناقضة لمنطق الأشياء. هذه بديهة ولكن (د. العظم) أراد أن يغالط بها، وأراد أن يموِّه بها على السذج من المخدوعين المفتونين بعبارات (أصول البحث العلمي) و (قواعد المنطق الحديث) و (ما توصلت إليه الحقائق العلمية) وأمثالها من العبارات التي غدت شعارات للتمويه والتضليل فقط يستعملها بعض أصحاب المذاهب ذات الأغراض الخاصة، كسائر الشعارات الجميلة، سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية، إن هذه الشعارات تحمل بريقًا لفظيًا يسرُّ السامعين ويعجبهم، ولكن ليس لها عند مستغليها مضمون عملي تطبيقي.

وبعد أن بنى (د. العظم) هذا البناء الوهمي على المقدمة الكاذبة الأولى، وجَّه عدة اعتراضات عليه، وهذه الاعتراضات وجهها على اعتبار أن من نسب إليهم هذا المذهب من المفكرين المسلمين يرون أنه لا يمكن إدراك أي شيء عن ذات الخالق ولا عن صفاته.

وهنا تكمن مغالطته الثانية، وهي مغالطة تعتمد على تعميم تمويهي كاذب لقضية خاصة، وذلك لأن عبارة:"كل ما يخطر في بالك فالله بخلاف ذلك"عبارة خاصة بتصور كنه ذات الله، وليست شاملة لذاته وصفاته، ولكن (د. العظم) عمَّم في دلالتها وفي مفهومها تعميمًا باطلًا، ليوجه اعتراضه على منطقة التعميم التي ادعاها زورًا وبهتانًا.

إن صنيعه يشبه صنع من قال: إن الماء صخر جامد، والذين يقولون: إن السفن الشراعية تجري بالهواء لا بد أن يسلموا بأن هذه السفن تجري في الجبال والصخور والرمال، وكلامهم هذا معترض من وجوه:

الأول: أن الماء ليس صخرًا جامدًا.

الثاني: أن السفن البحرية لا تجري في الجبال والصخور والرمال.

الثالث: أن السفن البحرية قد تجري بالمحركات الآلية.

هذا لون عجيب جدًا من المغالطات التي تصطنع الأكاذيب، والتعميمات، وتضع الأشياء في غير مواضعها، ومع ذلك فإن المنطق (العظمي) يقبله، ويقبله مع سائر الملحدين!!

وعلى مثل هذا المنطق يريدون أن يصنعوا جيلًا عربيًا تقدميًا.

من الطبيعي بعد أخذ المجال التعميمي الذي ادعاه كذبًا على الفكر الإسلامي أن يصل إلى منطقة تجريد مطلق لا يفهم منه شيء، فبينما كان أصل الموضوع منحصرًا في كنه ذات الله، إذا به يجعله شاملًا للذات والصفات كلها وسائر المفاهيم، وهذا ما لا يقول به أحد في الوجود، ولما وصل في أكذوبته إلى هذا المستوى وجه اعتراضه كما راق له فقال:"هل بإمكاني أن أقيم أية علاقات جدية بيني وبين هذا الإله ... إلى آخر كلامه".

من الطبيعي أن إلهًا لا يفهم عنه شيء من ذات ولا من صفات مطلقًا أن يكون تجريدًا فارغًا من كل معنى ومحتوى. لكن أحدًا من المؤمنين بالله لا يقول بمثل هذا الكلام الباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت