فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 172

إن المؤمنين يثبتون لله صفات كثيرة من صفات الكمال، بل هم يثبتون له كل صفات الكمال، وينفون عنه كل صفات النقصان، ويستطيعون أن يتصوروا من صفاته على مقدار عقولهم، ويطلقون الحدود دون حصر، إنهم يؤمنون بصفة وجوده الواجب سبحانه، ويحسنون تصور هذه الصفة على مقدار عقولهم، ويؤمنون بصفة قدرته الكاملة القادرة على خلق كل ممكن، ويحسنون تصور هذه الصفة على مقدار عقولهم، ويؤمنون بصفة إرادته واختياره التي تختار من الممكنات ما تشاء، ويحسنون تصور هذه الصفة على مقدار عقولهم، ويؤمنون أيضًا بصفات علمه وسمعه وبصره وصفات أفعاله، ويستطيعون أن يتصوروا من هذه الصفات على مقدار عقولهم، وهكذا إلى كثير من صفاته سبحانه.

فهل هذا هو التجريد المطلق الذي ادَّعاه (د. العظم) كذبًا وبهتانًا؟!

ألا يسوغ في منطق العقل أن نؤمن بموجد نعلم كل صفاته التي لها آثار متصلة بنا، من خلق ورزق، وإحياء وإماتة، وعدل وجزاء، ورحمة وعقاب، وغير ذلك دون أن نعلم كنه ذاته وطبيعتها الخاصة؟

إن العلماء الماديين يؤمنون بالجاذبية، وهم لا يعلمون من خصائصها إلا أنها قوة تجذب. إنهم يعتقدون بها، ويتعاملون معها، لمجرد معرفة صفة من صفاتها، دلت على آثارها، فكيف بمن علمنا من صفاته أشياء كثيرة متعلقة بنا؟

يا عجبًا لمنطق الملحدين!! إنهم يقيمون علاقات جدية مع أوهام إلحادية، وعلاقات جدية مع قوانين طبيعية لا يعرفون كنه ذاتها، وإنما تظهر لهم بعض آثارها التي تدلهم على بعض صفاتها، ثم يستكبرون عن أن يقيموا علاقات جدية مع الله، الذي يظهر لهم من آثاره أنه قادر عليم، عادل حكيم، خالق رازق، محيي مميت، سميع بصير، نافع ضار، يجازي المحسنين والمسيئين.

وإن تعجب فعجب قولهم وأعجب منه منطقهم.

ثم إن (د. العظم) وجَّه اعتراضًا ثانيًا على البناء الفاسد نفسه الذي بناه فقال:

"ثانيًا: إذا كان الإله لا يوصف ولا يدرك بالنسبة إلى البشر فما معنى قولنا إذًا بأنه (رحيم وبأنه عادل) . عندما ننعت الله بالرحمة والعدل ماذا نعني بهذه الصفات؟ أليس هناك من شبه على الإطلاق بين الرحمة والعدل عندما نطلقهما على الله، وبين تصورنا الإنساني لهاتين الصفتين؟ إذا كان الجواب بالنفي هل تكون إذن أذهاننا فارغة من كل معنى وتصور؟ عندما ننعت الله بالرحمة والعدل، هل ننسب إليه كلمات لا معنى لها على الإطلاق بالنسبة للبشر؟ في الواقع إننا في موقف حرج حيال هذا الموضوع، فإما أن ننعت الله بالعدالة وفقًا لتصور يشبه إلى حدِّ ما وبصورة غامضة تصورنا الإنساني لهذه الصفة، وإما أن يكون قولنا بعدالته كلامًا فارغًا من كل معنى ومحتوى. أي: إننا مرغمون إما على التشبيه وما يترتب عليه من عواقب، أو على التنزيه التام وما يستتبع من نتائج."

يوجد حل تقليدي لهذه الكتلة من التناقضات والمشكلات، وهو الأخذ بظاهر المعنى والتصديق به مع تفويض معرفة حقيقته إليه تعالى، أي التصديق دون معرفة، والإيمان على طريقة العجائز"."

مرة ثالثة يلجأ في هذا الموضوع بالذات إلى المغالطة والتمويه عن طريق التعميم الفاسد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت