فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 172

فبعد المغالطة السابقة التي اعتمد فيها على تعميم العجز البشري في واقعهم الدنيوي عن إدراك ذات الله وكنهها، بالنظر إلى أن الأبصار لا تدركه سبحانه، وبعد أن جعل هذا العجز البشري شاملًا للذات والصفات وهو ما لم يقل به أحد، فقز قفزة جديدة إلى مغالطة جديدة، تعتمد على تعميم خلط فيه جميع ما نسب إلى الله من صفات في النصوص، ليعطيها حكمًا واحدًا عامًا، باعتبار أن بعضها مما يوهم التشبيه بالمخلوقات قد ثار حوله حوار في فهم المراد منه بين المفكرين من علماء المسلمين.

ويبدو أعن علمية المغالطة القائمة على تعميم الخاص أهم عناصر مغالطاته، كما أنها أهم عناصر مغالطات (فرويد) أحد قادته المثاليين في نظره، إذ كان (فرويد) يأخذ من الحالات الشاذة النادرة أحكامًا عامة مطلقة، مخالفًا بذلك كل منهج علمي.

إن ادعاء (د. العظم) بأننا لا نفهم شيئًا عن صفات الله تعالى وإلا وقعنا في التشبيه ادعاء باطل، ونستطيع بالتحليل العلمي أن نكشف بطلانه.

إن الطاقة الفكرية تستطيع أن تأخذ منطلقاتها في الاتجاه غير المحدود (اللانهائي) مهما كانت الحواس تشدها إلى الواقع المدرك المحدود، فالفكر يشاهد مثلا عن طريق الحواس الموجودات الحادثة، فيأخذ صورة صحيحة إلى تصور معنى الوجود الأزلي، وهو يُحسن أن يتصور من معنى الوجود الأزلي على مقدار وعائه، فيثبته لله تعالى ويطلقه من حدود المدركات بالحس، ويلاحظ الفكر الإنساني القدرات المادية التي ترفع الأرطال والقناطير وما هو بوزن الجبال، والقدرات غير المادية التي تفعل الأفعال العجيبة، فيأخذ صورة تجريدية صحيحة عن معنى القدرة أو الطاقة، ثم ينطلق منها في سلسلة التكامل الارتقائي إلى تصور قدرة فوق قدرة، وطاقة فوق طاقة، حتى يصل إلى تصور قدرة تخلق السماوات والأرض وتفعل كل ممكن، دون أن تعجز أو تضعف، فيثبت هذه القدرة لله، ويطلقها من حدود المدركات بالحس، بمقتضى أحكام سلسلة التكامل، التي لها في العقل أصول يمكن أن تبنى عليها مدركات غير محدودة، والعقل يحسن أن يتصور من معاني القدرة الكاملة على مقدار وعائه، وما زاد عن وعائه يقف دونه عاجزًا مسلمًا، فهو بذلك قد فهم وأدرك على مقداره، وكان لوصف الله بأنه قدير معنى صحيح واضح في فكره وتأملاته.

ونقول نظير ذلك في الإرادة، وفي العلم، وفي السمع، وفي البصر، وفي الرحمة وفي العدل وهكذا.

ومغالطة التشبيه التي جاء بها (د. العظم) إنما جاء بها من الصفات الواردة في النصوص مما يوهم ظاهره التشبيه الجسدي، كالصفات التي تثبت لله وجهًا ويدًا ونحو ذلك، فهذه هي التي جرى بين علماء المسلمين حول المراد منها، بين الإثبات من غير كيف، والتأويل والتفويض، ولكن هذه لا تؤثر على سائر الصفات التي لا خلاف في فهمها وإدراك معانيها.

وناقدنا (د. العظم) لم يجد سبيلًا إلا أن يغالط عن طريق التعميم الذي أصَّل له.

وحين يتصور (د. العظم) أنه بلغ ما يريد طرح حول الموضوع نفسه مسألة القضاء والقدر، فقال:

"وأفضل مثال على هذا الموقف المشكلة الكلاسيكية التالية: يفترض في المؤمن أن يسلم بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى، وأن يؤمن بالعقاب والثواب، وأن يؤمن أيضًا بالعدالة الإلهية، رغم ما في هذه الموضوعات من تناقضات عقلية وأخلاقية. ويبرر أصحاب هذا الرأي موقفهم بقولهم: إن العقل الإنساني عاجز تمامًا عن إدراك طبيعة العدالة الإلهية،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت