فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 172

وعلاقتها بالحساب والقضاء والقدر، وبما أن هذه المواضيع لا تخضع للمنطق البشري، لذلك تبدو متناقضة ومغايرة لمعاييرنا الأخلاقية وغير منصفة"."

يبدو أن الناقد أخذ فكرة القضاء والقدر في الإسلام من أفواه جهلة العامة الجبريين، ولم يقرأها في كتاب علمي معتمد من كتب العقيدة الإسلامية.

وربما يكون قد قرأها في كتاب علمي معتمد إلا أنه طمس مذهب أهل الحق في هذا الموضوع، وأخذ رأي الجبريين الذين كذبهم القرآن فيما ادَّعوه، ورفض مذهبهم جمهور علماء المسلمين، وبعد أن أخذ رأي الجبريين جعله هو الرأي الإسلامي، وأخذ يوجه عليه اعتراضاته لما فيه من تناقض، وغرضه هدم الإسلام كله من خلال رأي فاسد قاومه القرآن، ورفضه علماء المسلمين.

أما تكذيب القرآن لرأي الجبريين فيما ذهبوا إليه، باعتبار معارضًا لمبدأ امتحان الإنسان وتكليفه وجزائه بالعقاب أو بالثواب فنجد في قول الله تعالى في سورة (الأنعم/6 مصحف/55 نزول) :

{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذالِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم منْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}

ونجده أيضًا في قول الله تعالى في سورة (النحل/16 مصحف/70 نزول) :

{وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذالِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ}

فهؤلاء مشركون وجبريون يزعمون أن الله قد شاء لهم أن يشركوا، فأعلن الله أنهم يكذبون في دعواهم.

إن قول المشركين: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا، ولا حرَّمنا من دونه من شيء} ، مستند إلى ادعاء جبري يتضمن أن الله قد شاء لهم الإشراك به، وشاء لهم عبادة غيره، ولذلك كانوا مشركين به في عقيدتهم وفي عبادتهم، ولذلك كذَّبهم الله في هذا الادعاء، وأوعدهم بالعذاب فقال: {كذلك كذَّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا} وأمر رسوله بأن يطالبهم بالدليل على ما ادعوه، فقال له: {قل: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} ، أي: هل عندكم من خبر عن الله يثبت مدعاكم هذا؟ فإن كان عندكم شيء من ذلك تحتجون به فأخرجوه لنا، ولكنكم في الحقيقة لا تعتمدون في ادعائكم هذا على أي مستند علمي، وإنما تتبعون الظنون الكاذبة التي هي أوهام بعيدة عن الحقيقة، فما أنتم في الحقيقة إلا تخرصون، أي تكذبون.

ثم علَّم الله رسوله أن يقول لهم: {قل: فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} ، أي: إن الله قد شاء أن يمنحكم الإرادة الحرة، ليمتحنكم في حدود ما وهبكم من استطاعة، ولو شاء غير ذلك، أي لو شاء أن يجعلكم مجبرين لا خيرة لكم فيما تقومون به من أعمال لكانت حكمته تقتضي بأن يهديكم أجمعين، وفي هذا حجة عليهم بالغة صميم الحقيقة، ولله الحجة البالغة.

فالفكر الإسلامي قائم على أن الإنسان مسؤول عن أعماله، ومحاسب علهيا، ويُجازى عليها أيضًا، لأنها داخلة في حدود استطاعته إذ وهبه الله حرية الإرادة، والقدرة الجزئية على تنفيذ إرادته، وأعطاه شروط الامتحان، ووضعه في مجالات الامتحان الأمثل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت