تصرح الناقدة في افتتاحية الكتاب باعتمادها (في المرتبة الأولى على أعمال الناقد الفرنسي جيرار جنيت) 75، ونستطيع أن نرتب على قولها المباشر هذا حقيقتين:
الأولى، أن الناقدة تعلن عن تبنيها أفكار جيرار جنيت في نقد السرد وتحليله، وخير مناسبة تجتمع فيها أفكاره وتتكامل هي كتابه الرائد: (خطاب السرد) الذي جئنا على تفصيل مصطلحاته في المرة السابقة، وبما أن الأمر كذلك فإن الناقدة تبدي رغبة، ومن ثم جهدًا، في تطبيق أفكار تحليل السرد البنيوية على الرواية العربية، أو النص الروائي على حد قولها، فهي تتقدم خطوات في مسار النقد المنهجي، متجاوزة النقود التاريخية السابقة، ومتبنيّة تلك التي تهتم بالخطاب.
الحقيقة الأخرى، أن الناقدة باعتمادها نقد السرد وفق تصور جيرار جنيت فإنها تتبنى، ولو ضمنيًا، تقسيمًا للعمل السردي الروائي إلى مكونين على الأقل، وهما المكونان الأكثر شيوعًا في أدبيات نقد السرد: مكوّن القصة، ومكوّن الخطاب، على الرغم من أنها لم تصرح في كتابها المستشهد به هنا بهذا التقسيم، ولا بمصطلحاته المسمية له، فجيرار جنيت لم يهتم في نظريته إلا بمكون الحكي، وعلى سيزا قاسم أن تفعل الشيء نفسه؛ وفاء للمنهج الذي صرحت باعتماده؛ فجاءت بمصطلحي: الزمن الروائي، والمنظور الروائي، وهما من مصطلحات جنيت الأساسية في نظريته؛ لأنهما يسميان مستويات مكوّن الحكي، ولكنها، أيضًا، لم تكتف بهذين المصطلحين فأضافت إليهما ثالثًا هو: المكان الروائي 76، وهو ما لم نعرف له حضورًا من بين مصطلحات جنيت التي وظّفها في نظريته، وكذلك، وانسجامًا مع مقولات مناهج نقد السرد البنائية، فإن مصطلح (المكان الروائي) ، يسمي مفهومًا لا يتصل بمكوّن الحكي، وإنما هو أقرب لمكوني القصة والسرد بحسب تقسيمات جنيت.
كتاب سيزا قاسم (بناء الرواية) محاولة للاهتمام بالبناء الفني للرواية؛ ولهذه الغاية نجدها تستخدم ثلاثة مصطلحات عريضة تسمية لمستويات البناء الروائي: الزمان الروائي ـ المكان الروائي ـ المنظور الروائي، وكأنها تجعل من هذه المستويات ما يمنح الرواية تميّزها الإبداعي بالنظر لجنسها الأدبي، وبالنظر أيضًا لجمالية الأدب مقارنة بالفنون الأخرى.