يلحقون بآبائهم إلا في الجاهلية .. وشذ قوم فقالوا: يلحق ولد الزنى في الإسلام، أعني: الذي كان عن زنى في الإسلام». من هؤلاء: إسحاق بن راهويه، والحسن البصري، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وابن تيمية، ويرى ابن القيم أن القياس الصحيح يقتضيه؛ لأن الأب أحد الزانيين، والولد يلحق بأمه وينسب إليها ويرثها وترثه .. وقد وجد الولد من ماء الزانيين واشتركا فيه واتفقا على أنه ابنهما، فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يدعه غيره؟ فهذا محض القياس [1] .
ونحن نتفق مع ما ذهب إليه الجمهور؛ فقوله - صلى الله عليه وسلم: «من ادعى ولدًا من غير رِشْدَة فلا يرث ولا يورث» صريح في نفي نسب الولد؛ لأن قولهم: هو لرِشْدة، معناه: أنه صحيح النسب [2] ، وقولهم: هو لرِشْدة، ضد قولهم: لزِنْية [3] . وقوله - صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» معناه: أن الزاني ليس له إلا الخيبة والحد؛ ذلك أن النسب نعمة، والزنى نقمة، والنقمة لا تكون سببًا للنعمة، ومع هذين الحديثين لا يجوز إجراء قياس صحيح. ويؤيد ما اخترناه حديث أخرجه أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى فيمن استلحقه الورثة بعد موت المورث: أنه إن كان من أمة كان يملكها المورث حين أصابها فإنه يلحقه من وقت الاستلحاق، ما لم يكن المورث قد أنكره قبل موته، وإن كان من أمة لم تكن مملوكة له، أو من حرة عاهر بها، فإنه لا يلحقه ولو كان هو الذي ادعاه في حياته [4] .
الإقرار بنسب محمول على الغير:
أجمعت الأمة على أن الإقرار حجة قاصرة على المقر وحده، لقصور ولاية المقر عن غيره، فيقتصر عليه [5] . وعلى ذلك: إذا ادعت زوجة أو معتدة، أن هذا المولود ابنها ثبتت نسبته إليها، ولا يثبت نسبه من زوجها إلا إذا صدقها؛ لأنها تقتضي تحميل النسب على الغير، فإن كذبها الزوج لم يصح إقرارها إلا إذا قامت البينة على ولادتها له، وحينئذ يثبت نسبه بالفراش متى توافرت شروطه التي تقدمت.
وإذا أقر أحد الورثة بوارث ثالث مشارك لهما في الميراث لم يثبت نسبه - بالإجماع - لأن
(1) زاد المعاد: 4/ 178. مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 32/ 112.
(2) المصباح المنير: رشد.
(3) مختار الصحاح: رشد.
(4) سنن أبي داود: 2/ 280 (حديث 2265) . ابن ماجه: 2/ 917 - 918 (حديث رقم 2746) .
(5) تبيين الحقائق: 5/ 3. بداية المجتهد: 2/ 393. نهاية المحتاج: 5/ 65. الطرق الحكمية: ص 194.