الصفحة 32 من 58

المطلب الثالث: نفي النسب

أوردنا فيما سبق تعريف النفي في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء، وقلنا: إن المقصود بنفي النسب هو إنكار نسب المولود إلى أبيه. وقد اتفق الفقهاء على أن النسب حق الصغير، فإذا ثبت هذا الحق فإنه لا يجوز لمن لحق به إسقاط هذا الحق، فمن أقر بابن، أو هنئ به فسكت أو أمَّن على الدعاء، أو أخَّر نفيه مع إمكان النفي فقد التحق به، ولا يجوز له إسقاطه بعد ذلك [1] .

وقد ذكرنا أن الفراش قرينة قوية، فإذا شك الزوج في نسبة الولد إليه لا يكون أمامه إلا إجراء اللعان، متى توافرت شروطه؛ بأن يكون كل من الزوجين مكلفًا، مسلمًا أو كافرًا، عدلًا أو فاسقًا، لأن اللعان مجرد أيمان وإن سمي شهادات، فإذا تم اللعان بين الزوجين انتفى الولد عن الزوج وينسب إلى أمه [2] .

ويرى الحنفية أن اللعان شهادات مؤكدة بالأيمان، فمن ليس من أهل الشهادة لا يكون أهلًا للعان؛ وعلى ذلك إذا كان أحد الزوجين محدودًا في قذف، أو كانت الزوجة كتابية، فلا يصح اللعان، ويظل نسب الولد ثابتًا من الزوج، فلا يستطيع نفيه [3] .

وبما أن النسب حق الصغير فإنه لا يقبل التحكيم ولا التصالح، ولهذا قال الحنفية [4] : إذا نفى ولد حرة فصدقته لا ينقطع نسبه لتعذر اللعان؛ لما فيه من التناقض. ولا يعتبر تصادقهما على النفي؛ لأن النسب يثبت حقًا للولد، وفي تصادقهما على النفي إبطال حق الولد، وهذا لا يجوز.

وعند المالكية: إذا تصادق الزوجان على نفي الحمل نفي بغير لعان وجدت الزوجة، وقاله مالك. وقال أكثر الرواة: لا ينفى إلا بلعان، وقاله مالك أيضًا [5] .

(1) حاشية ابن عابدين: 4/ 446. الكافي لابن عبدالبر: 2/ 616. نهاية المحتاج: 7/ 116. شرح منتهى الإرادات: 3/ 211.

(2) بداية المجتهد: 2/ 141. مغني المحتاج: 3/ 374. كشاف القناع: 5/ 456. المحلى: 10/ 144.

(3) بدائع الصنائع: 3/ 241 وما بعدها.

(4) بدائع الصنائع: 3/ 246.

(5) التاج والإكليل: 4/ 133. الشرح الكبير للدردير: 2/ 460.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت