الصفحة 36 من 58

المطلب الثاني: مجالات إعمال البصمة الوراثية

أولًا- على الرغم من اعتبار نتائج البصمة الوراثية قطعية الدلالة، فلا يعمل بها في قضايا النسب إذا تعارضت مع نص من الكتاب أو السنة أو مع الإجماع الثابت؛ ذلك أن للشريعة مقاصد صحيحة في قضايا النسب، فقد أهدرت النسب في واقعة الزنى، حتى لو أكدت جميع الدلائل أن الولد متخلق من ماء الزاني، فإن النسب لا يثبت [1] ؛ لأن النسب نعمة، والزنى نقمة، فلا يستحق صاحبه النعمة [2] .

ولهذا أجمع الفقهاء على أن الفراش الصحيح هو الأصل الشرعي المقرر في إثبات النسب، فلا يعارض بشبه ولا إقرار، ولا يعمل معه بقيافة أو نحوها؛ لأن الفراش أقوى دليل على ثبوت النسب، اعتبارًا بقوله - صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش» [3] ، يقول ابن القيم:"نقول نحن وسائر الناس: إن الفراش الصحيح إذا كان قائمًا فلا يعارض بقيافة ولا شبه" [4] ؛ لأن الشريعة متشوفة إلى الستر بين الناس، والحفاظ على تماسك الأسر، تشوفها إلى اتصال الأنساب وعدم انقطاعها، فلا يجوز - مع استقرار العلاقة الزوجية - طلب الفحص الطبي للتأكد من النسب؛ لأن ذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار في المجتمع، وإنه منهي عنه بقول الله تعالى: ژ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ [5] ، فقد أخرج البخاري حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء كرهها، فلما أكثروا عليه المسألة غضب وقال: سلوني. فقام رجل فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: أبوك حذافة. ثم قام آخر فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: أبوك سالم مولى شيبة. فلما رأى عمر - رضي الله عنه - ما بوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغضب قال: إنا نتوب إلى الله عز وجل» [6] . كما أخرج حديث أنس - رضي الله عنه: «فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت هذه الآية» [7] . يقول الرازي

(1) شرح معاني الآثار، للطحاوي: 3/ 116.

(2) الأم، للإمام الشافعي: 5/ 165. وهو رأي جمهور الفقهاء.

(3) صحيح البخاري، رقم (2218) . صحيح مسلم، رقم (1457) .

(4) زاد المعاد: 4/ 118.

(5) سورة المائدة: 101.

(6) صحيح البخاري، رقم (7291) .

(7) صحيح البخاري، رقم (4621) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت