لقد انطلق الاهتمام الأولي بالبيداغوجيا الفارقية منذ بداية القرن العشرين، في إطار الاهتمام السيكولوجي بمقاييس العقل، ووضع الروائز المختلفة لقياس نسبة التعلم والاكتساب والاستيعاب، والتمييز بين المتعلمين على مستوى الذكاء العقلي. وكانت التطبيقات الأولى في هذا المجال تلك التجارب التربوية المرتبطة بمشروع بلان دالتون (Plan Dalton) سنة 1910 م، وقد طبقتها المربية الأمريكية هيلين باركهورست [1] (Helen Parkhurst) ، بالتركيز على فصل دراسي يتكون من أربعين تلميذا من أعمار مختلفة، فشرعت باركهورست في تقديم أنشطة فردية مختلفة ومتنوعة ومتعددة، تتلاءم مع قدرات كل تلميذ على حدة. وقد ترتب عن ذلك ظهور البيداغوجيا الفارقية. ومن جهة أخرى، استفادت البيداغوجيا الفارقية، بشكل من الأشكال، من طريقة ونيتكا (Winnetka) سنة 1913 م، اعتمادا على التصحيح الذاتي، والاشتغال في فريق جماعي.
هذا، وقد انتقلت هذه الطريقة التربوية الأمريكية إلى أوروبا مع انبثاق التربية الحديثة القائمة عل الحرية، واللعب، والتعلم الذاتي، والاستقلالية، وتعلم الحياة عن طريق الحياة، وتمثل الفكر التعاوني، والاسترشاد بديمقراطية التعليم والتعلم ... وأيضا مع ظهور الطرائق الفعالة القائمة على التنشيط البناء والهادف، وتجريب آليات تربوية وديداكتيكية جديدة ومعاصرة مبنية على آخر مستجدات البيولوجيا، وعلم النفس، وعلم الاجتماع ...
وهكذا، فقد تمثلها روبير دوترانس (Robert Dottrens) في مدرسته ميل (Mail) بجنيف، وقد طبقها أيضا سليستين فرينيه (C.Freinet) في مدرسته التنشيطية القائمة على الفكر التعاوني، وإنشاء المطبعة، وتحرير جريدة المدرسة لرصد مختلف الفوارق الفردية بين المتعلمين، وإيجاد الحلول المناسبة لذلك، فضلا عن وضع قوائم للمدرسة التفريدية. بيد أن الشخص الحقيقي الذي نحت مصطلح البيداغوجيا الفارقية هو لوي لوكران (Louis Legrand) ، في سنوات السبعين من القرن الماضي؛ إذ وجد نفسه أمام مشكل تربوي عويص ألا وهو وجود متعلمين مختلفين ومتميزين ذهنيا وعقليا ووجدانيا وحركيا، داخل فصل دراسي واحد، وأمام مدرس واحد، مع وجود مقررات وبرامج دراسية واحدة. وبطبيعة الحال، أثار هذا التوحيد مشاكل كثيرة أمام التلاميذ الذين تختلف بيئاتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والنفسية، حيث لا يستطيعون استيعاب المقررات والدروس بالوتيرة نفسها. فهناك تلاميذ
(1) - هي صاحبة مدرسة دالتون بنيويورك.