فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 51

وبما أن المدرسة الليبرالية مدرسة طبقية وغير ديمقراطية، فإنها في الدول المتخلفة والمستبدة تكرس سياسة التخلف والاستعمار، وتساهم في توريث الفقر والبؤس الاجتماعي؛ مما جعل إيفان إليتش (Ivan Ilitch) يدعو إلى إلغاء هذه المدرسة الطبقية غير الديمقراطية، في كتابه (مجتمع بدون مدرسة) [1] .

فنظرية موت المدرسة - حسب غي أفانزيني- هي في الحقيقة نظرية"تأثرت تأثرا كبيرا بالعوامل الجغرافية التي أحاطت بها، والتي قد تجعل منها نظرية صالحة لبلدان أمريكا اللاتينية، غريبة كل الغرابة عن المنطق التربوي للغرب. ولاسيما أننا نجد فيها بعض التساؤلات التي تؤيد مثل هذا التفسير الذي يقصرها على بلدان بعينها، ذلك أن السيد إيليش ينزع أحيانا إلى القول بأن المدرسة ملائمة للعصر الصناعي، وأنها من إرث هو مخلفاته، وينبغي أن تشجب فقط في البلدان المتخلفة، حيث لاتستطيع أن توفر الانطلاقة اللازمة لها، وحيث يكون حذفها شرطا لازما لحذف الاستعمار، والقضاء عليه، على أنه في أحيان أخرى يطلق أحكاما تنادي بالقضاء عليها قضاء جذريا، ويرى فيها مؤسسة بالية أنى كانت". [2]

ويعني هذا أن العوامل الاجتماعية بدورها تتحكم في هذه البيداغوجيا الفارقية باعتبارها خلفية سياقية، مادام المجتمع عبارة عن نسق هرمي تراتبي، يعرف بدوره تفاوتا طبقيا واجتماعيا ملحوظا، إذ يمكن الحديث عن الطبقة البورجوازية، والطبقة الوسطى، والطبقة الدنيا، والطبقة المعوزة والفقيرة. ومن ثم، يوحي هذا التفاوت بتكريس سياسة الفوارق بين الأفراد والأسر داخل مجتمع واحد.

أما المقاربة الاقتصادية، فتتعامل مع الفوارق الفردية تعاملا ليبراليا انتقائيا واصطفائيا، بالتركيز على الكفاءة والجودة والإنتاجية والمردودية والامتياز والتمهير، بغية التأقلم الإيجابي مع سوق العمل. بمعنى أن الاقتصاد المعاصر لا يعترف إلا بالقدرات الكفائية والأطر الحرفية الماهرة. وبما أن هذا الاقتصاد يؤمن بالجودة والمردودية فلابد -إذًا- من تمثل مقياس الاختيار والانتخاب والانتقاء، باستعمال الاختبارات والمقاييس والمقابلات لتعيين المرشحين الأكفاء في الأماكن والمناصب المناسبة.

ومن جهة أخرى، تهتم مجموعة من التيارات الفلسفية، بما فيها الرومانسية والعقلانية والوجودية والشخصانية ... ، بالإنسان الفرد الذي يتمتع بالحرية، والاستقلالية، والقدرات العقلية الوراثية. ومن ثم، تراعي هذه التيارات خصائص الفرد المتعلم وقدراته العادية وغير العادية، وما يميز شخصيته عن باقي الشخصيات الأخرى تفريدا وتخصيصا وتمييزا.

(2) - غي أفانزيني: الجمود والتجديد في التربية المدرسية، ترجمة: عبد الله عبد الدائم، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1981 م، صص:456 - 457.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت