أخرج الإمام أحمد وحسَّنه الألباني من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا نستحي يا رسول الله، قال: ليس ذاكم [1] ولكن من استحي من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى [2] وليحفظ البطن وما حوى [3] وليذكر الموت والبلى [4] ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا [5] فمَن فعل ذلك فقد اسْتَحيَ من الله حق الحياء"
قال الشنقيطي في"تفسيره"- أضواء البيان:
إذا لاحظ الإنسان الضعيف أن ربه عز وجل ليس بغائب عنه، وأنه مُطَّلِع على كل ما يقول وما يفعل وما ينوي، لان قلبه وخشي الله تعالى وأحسن عمله لله
ومن الأمثلة القرآنية البديعة في هذا الشأن قصة يوسف - عليه السلام-
حينما تعرض لفتنة من أشد الفتن على القلوب والعقول، وهى فتنة النساء،
والتي هي من أعظم الفتن في كل زمان ومكان على الرجال عامة وعلى الشباب خاصة
ولكن انظر كيف أنه صبر واستحيى من ربه وخالقه، رغم مراودة امرأة العزيز
وهى امرأة توافرت فيها دواعي الفتنة من: مال وجمال وجاه، فقال: حياءً من ربه ومراقبةً له
{قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23]
قال الطبري في قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24]
قال: في الآية تقديم وتأخير، أي: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها،
فلم يقع الهمّ لوجود البرهان، وهو حياء يوسف من ربه وعصمة الله تعالى له
فالحياء من الله يكون بامتثال أوامره واجتناب زواجره وهذا لا يكون إلا من قوة الدين وصحة اليقين.
(1) ليس ذاكم: قال البيضاوي: ليس حق الحياء من الله ما تحسبونه، بل أن يحفظ نفسه بجميع جوارحه عما لا يرضاه من فعل وقول.
(2) يحفظ الرأس وما وعى: ما جمعه من الحواس الظاهرة والباطنة، حتى لا يستعملها إلا فيما يحل.
(3) ويحفظ البطن وما حوى: أي وما جمعه جوفه باتصاله به، من القلب والفرج واليدين والرجلين فلا يستعمل منها شيئًا في معصية الله - عز وجل -
(4) وليذكر الموت والبلى: فمن ذكر الموت هان عليه ما فاته من اللذات العاجلة، وأهمه ما يلزمه من طلب الآجلة وعمل على إجلال الله وتعظيمه
(5) ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا: لأنهما ضرتان، إذا أرضيت إحداهما أغضبت الأخرى، فمن أراد الله تعالى فليرفض جميع ما سواه استحياءً منه، بحيث لا يرى إلا إياه