فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 59

قال ميمون بن سياه رحمه الله:"تذاكر جماعةٌ عندي رجلًا من السلاطين فوقعوا فيه، فلما انقلبت إلى أهلي رقدت، فإذا أنا بريح منتنة، وإذا رجل على رأسي يقول: كُلْ يا عبدَ الله هذه الجيفةَ، فقلت: بماذا؟ قال: بما اغتبت عندك، قلت: ما ذكرتُ منه خيرًا ولا شرًّا، قال: لكنك سمعت ورضيت".

وفي قوله تعالى: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140] : ما يدل على هذا المعنى.

-وروى ابن أبي الدنيا عن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان:

"أنه رأى مولاه مع رجل وهو يقع في آخر، فقال له: ويلك نزِّه سمعك عن استماع الخنا [1] ، كما تُنزِّه نفسك عن القول به، فالمستمع شريك القائل، إنما نظر إلى شر ما في وعائه فأفرغه في وعائك، ولو رُدَّتْ كلمة سفيه في فيه، لسعد رادُّها كما شقي بها قائلها" (مختصر منهاج القاصدين: ص: 189) .

وصدق القائل حيث قال:

وسمعَك صُنْ عن سماع القبيحِ = كصونِ اللسان عن النطق بِهْ

فإنك عند سماع القبيحِ = شريكٌ لقائله فانتبِهْ

قال الإمام النووي رحمه الله كما في كتابه"الأذكار" (ص: 291) :

"اعلم: أن الغِيبة - كما يَحرُم على المغتاب ذِكرُها - يحرُم على السامع استماعُها و إقرارها، فيجب على مَن سمع إنسانًا يبتدئ بغيبة محرَّمة أن ينهاه إن لم يخف ضررًا ظاهرًا، فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه، ومفارقة ذلك المجلس إن تمكَّن من مفارقته، فإن قدر على الإنكار بلسانه، أو على قطع الغِيبة بكلام آخر، لزمه ذلك، فإن لم يفعل عصى، فإن قال بلسانه: اسكت، وهو يشتهي بقلبه استمراره، فقال أبو حامد الغزالي: ذلك نفاق لا يخرجه عن الإثم، ولا بد من كراهته بقلبه، ومتى اضطر إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيه الغِيبة، وعجز عن الإنكار، أو أنكر فلم يقبل منه، ولم يمكنه المفارقة بطَريقٍ، حَرُمَ عليه الاستماع والإصغاء للغيبة، بل طريقه أن يذكر الله بلسانه وقلبه، أو بقلبه، أو يفكر في أمر آخر ليشتغل عن استماعها، ولا يضره بعد ذلك السماع من غير استماع وإصغاء في هذه الحالة المذكورة، فإن تمكَّن بعد ذلك من المفارقة وهم مستمرون في الغِيبة ونحوها، وجب عليه المفارقة؛ قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68] ".اهـ

(1) ) الخنا: الفحش من القول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت