وليكن قصدُك تخليصَه من الإثم وأنت حزين، كما تحزن على نفسك إذا دخل عليك نقصان في دينك، وينبغي أن يكون تركه لذلك من غير نصحك أحَبَّ إليك من تركه بالنصيحة، فإذا أنت فعلت ذلك كنت قد جمعت بين أجر الوعظ، وأجر الغم بمصيبته، وأجر الإعانة له على دينه.
ومن ثمرات سوء الظن: التجسس؛ فإن القلب لا يقنع بالظن، ويطلب التحقيق؛ فيشغل بالتجسس، وهو أيضًا منهيٌّ عنه، قال الله تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: 12] ، فالغِيبة وسوء الظن والتَّجَسُّس منهي عنهم في آية واحدة، ومعنى التجسس: ألا يترك عباد الله تحت ستر الله، فيتوصَّل إلى الاطلاع وهتك الستر، حتى ينكشف له ما لو كان مستورًا عنه كان أسلم لقلبه ودينه". اهـ؛ (الإحياء 3/ 21 - 22) بتصرف واختصار."
يقول ابن الجوزي رحمه الله كما في كتابه"تلبيس إبليس":"وكم من ساكت عن غيبة المسلمين، إذا اغتيبوا عنده فرح قلبه، وهو آثم من ذلك بثلاثة وجوه، أحدها: الفرح؛ فإنه يحصل بوجود هذه المعصية من المغتاب، والثاني: لسروره بثلب المسلمين، والثالث: أنه لا ينكره". اهـ
مرَّ بنا أن الغِيبة: هي أن يذكر الإنسان غيره بما يكره، وكل ما يُفهم به نقصه فهو غيبة وكبيرة من الكبائر حرَّمها الدين، ونفَّر منها تنفيرًا شديدًا؛ حيث شبهها الله بأمور تقشعر منها الأبدان وتأباها النفوس، قال تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12] .
فتأمَّل أخي الحبيب، هذا الأسلوب البديع في النهي المقرون بالمثال الذي يزيد الأمر شدة وتغليظًا، فالآية اشتملت على خمسة أمور: كونه لحمًا، وميتًا، ونِيئًا، ومن آدميٍّ، ومن أخ مسلم، والإنسان منا لا يحب هذا؛ بل يكرهه؛ ولهذا قال: {فَكَرِهْتُمُوهُ} ؛ لأن أكل لحم الإنسان من أعظم ما يتقذر جِبِلَّةً وطبعًا، فكيف إذا كان ميتًا وجيفة؟
-قال ابن عباس رضي الله عنه:"إنما ضرب الله هذا المثل للغيبة؛ لأن أكل لحم الميت حرام مستقذر، وكذا الغِيبة حرام في الدين، وقبيح في النفوس".
-وقال قتادة رضي الله عنه:"كما يمتنع أحدكم أن يأكل أخيه ميتًا، كذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيًّا"، واستعمل أكل اللحم مكان الغِيبة؛ لأن عادة العرب بذلك جارية، قال الشاعر:
فإنْ أكلوا لحمي وَفَرْتُ لحومهم = وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدَا