ذكر الإمام النووي رحمه الله في كتابه"الأذكار" (ص: 297) :
"أنه يُستحَب لصاحب الغِيبة أن يبرئ المغتاب منها، ولا يجب عليه ذلك؛ لأنه تبرُّع وإسقاط حق، فكان إلى خيرته، ولكن يُستحَب له استحبابًا مؤكدًا الإبراء ليخلِّص أخاه المسلم من وبال هذه المعصية، ويفوز هو بعظيم ثواب الله تعالى في العفو ومحبة الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] ، وطريقه في تطييب نفسه بالعفو أن يُذكِّر نفسَه أن هذا الأمر قد وقع ولا سبيل إلى رفعه، فلا ينبغي أن أفوِّت ثوابه، وخلاص أخي المسلم، وقد قال تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] ، وقال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ} الآيةَ [الأعراف: 199] ، والآيات بنحو ما ذكرنا كثيرة."
وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) ).
-وقد قال الشافعي رحمه الله:"مَن استُرضي فلم يرضَ، فهو شيطان"، وقد أنشد المتقدمون:
قيل لي قد أسا إليك فلان = ومُقام الفتى على الذلِّ عارُ
قلت: قد جاءنا وأحدَثَ عذرًا = ديةُ الذنب عندنا الاعتذار
فهذا الذي ذكرنا من الحث على الإبراء عن الغِيبة هو الصواب".اهـ"
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغضب: عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال قط من صدقة، فتصدَّقُوا، ولا عفا رجل عن مظلمة ظُلمها إلا زاده الله تعالى بها عزًّا، فاعفوا يزِدْكم الله عزًّا، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة يسألُ الناس، إلا فتح الله عليه باب فقر ) )؛ (ورواه الإمام أحمد والترمذي بنحوه، وهو في"صحيح الجامع": 3024)
وأخرج البخاري في"الأدب المفرد"وأحمد عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ارحموا تُرحَموا، واغفروا يغفِرِ الله لكم، وويل لأقماع [2] القول، وويل للمُصرِّين الذين يُصِرُّون على ما فعلوا وهو يعلمون ) )؛ (قال المنذري في الترغيب: رواه أحمد بإسناد جيد) .
(1) ) حرمة أهل العلم: ص: 111 - 116، بتصرف واختصار.
(2) ) الأقماع: جمع قمع، وهو"الإناء الذي يجعل في رأس الظرف ليُملأ بالمائع، شبه استماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ولا يعملون به، بالأقماع التي لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازًا كما يمر الشراب في القمع"؛ (أفاده المناوي في الفيض: 1/ 474) .