فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 59

اعلم أن الغِيبة تباح لغرض شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو ستة أسباب:

الأول: التَّظَلُّم: فيجوز للمظلوم أن يتظلَّم إلى السلطان والقاضي وغيرهما، ممَّن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول:"ظلمني فلان بكذا، أو فلان يفعل كذا".

ومثاله ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:

قالت هندُ امرأة أبي سفيان للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح [1] ، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، قال: (( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) ).

فوصفت هند أبا سفيان بالبخل، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليها ذلك؛ لأنه من باب التظلم.

الثاني: الاستعانة: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمَن يرجو قدرته على إزالة المنكر:"فلان يعمل كذا، فازجره عنه ... ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصُّلَ إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك وقصد التشهير به؛ كان حرامًا."

الثالث: الاستفتاء: فيقول للمفتي:"ظلمني أبي أو أخي أو زوجي، أو فلان بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه، وتحصيل حقي، ودفع الظلم؟ ... ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط والأفضل أن تقول:"ما تقول في رجل أو شخص أو زوج كان من أمره كذا؟ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز كما مرَّ بنا من حديث هند زوجة أبي سفيان رضي الله عنه.

الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه:

منها جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل هو واجب صونًا للشريعة، ومنها: المشاورة في مصاهرة إنسان، أو مشاركته، أو معاملته، أو مجاورته ... أو غير ذلك، ويجب على المشاوَر ألا يخفي حاله، بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة.

ومثاله ما رواه البخاري ومسلم عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أنها قالت:

أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أبا جهم ومعاوية خطباني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( أما معاوية، فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم، فلا يضعُ العصا عن عاتقه [2] .

(1) ) شحيح: يعني بخيل حريص.

(2) ) لا يضع العصا عن عاتقه: قيل: يعني: كثيرَ السفر، وقيل: يعني ضرَّابًا للنساء، وهو الراجح، ويفسر هذا المعنى رواية الإمام مسلم:

(( وأما أبو جهم، فضرَّاب للنساء ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت