وهذه من أهم الوسائل الوقائية لعدم الوقوع في الغِيبة؛ لأن الدفع أسهل من الرفع، والوقاية خيرٌ من العلاج، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى فضيلة لزوم الإنسان بيته اتِّقاءَ الغِيبة.
فقد أخرج ابن حبان في"صحيحه"والطبراني في"الكبير"والحاكم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( ... ومَن جلس في بيته لم يَغْتَب إنسانًا، كان ضامنًا [1] على الله ) ).
وهذا يدل على فضيلة من اعتزل مجالس الناس، ولزم بيته بنِيَّة عدم الوقوع في أعراض الناس.
-قال القشيري رحمه الله:"ليس تحصيلُ الغِيبة من الخلق، إلا بالغَيبة عن الحق؛ ولهذا كانت الغِيبة وأكل لحوم الناس قوتًا لا يستغني عن التهامه الشاردون عن منهج الله، والغافلون عن ذكره عز وجل، ومن ثَمَّ كثرت شكاوى الصالحين من أمثال هذه المجالس، وكثر تندُّمهم عليها، وفرارهم منها، فقد قيل لعبدالله بن المبارك: إذا أنت صليت لِمَ لا تجلس معنا؟ قال: أجلس مع الصحابة والتابعين، أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع معكم؟ إنكم تغتابون الناس"؛ (سير أعلام النبلاء: 8/ 398) .
-عن خلف بن إسماعيل البرزاني قال: سمعت سفيان الثوري يقول:"أقِلَّ من معرفة الناس تَقِلَّ غيبتك"؛ (حلية الأولياء: 7/ 8) .
-وعن إبراهيم بن أدهم:"أنه دُعِي إلى وليمة، فحضر، فذكروا رجلًا لم يأتهم، فقالوا: إنه ثقيل، فقال إبراهيم: أنا فعلت هذا بنفسي، حيث حضرت موضعًا يُغتَاب فيه الناس، فخرج ولم يأكل ثلاثة أيام"؛ (الأذكار للنووي: ص: 291) ، (وتنبيه الغافلين: 1/ 179) .
-وعن منصور بن زاذان قال:"إن الرجل من إخواني يلقاني، فأفرح إن لم يَسُؤْنِي في صديقي، ويُبلغْني الغِيبة ممَّن اغتابني، وإني لفي جَهْدٍ من جليس حتى يفارقني؛ مخافة أن يأثم ويؤثِّمني"؛ (الصمت لابن أبي الدنيا: رقم 299) .
-وكما قيل:"ومَن أنست منه أن يهلكك بالغِيبة، فاقطعه، وفرَّ منه فرارَك من الأسد".
(1) ) ضامن على الله: أي مضمون، وقال النووي في الأذكار: معنى ضامن: صاحب الضمان، والضمان: الرعاية للشيء، والمعنى أن الله تعالى يتفضَّل عليه بالقبول ودخول الجَنَّة تكَرُّمًا ووعدًا صادقًا.