فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 59

اعلم أخي الحبيب: أن المستمع للخير شريك في ثوابه، وكذلك المستمع للشر شريك في إثمه، وعلى هذا؛ فالمستمع للغيبة شريك للقائل بها، ولا يتخلص من إثم سماعها إلا أن ينكر بلسانه، فإن خاف فبقلبه، وإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر، لزمه ذلك.

وقد مرَّ بنا حديث ماعز بن مالك الأسلمي حيث قال الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم لمَن تكلم بالغِيبة، ومَن استمع لها ولم ينكر عليه: (( انزلا فكُلا من جيفة هذا الحمار! ) )، وهذا للقائل والمستمع.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (( فما نلتما من عرض أخيكما آنفًا ) )أيضًا للقائل والمستمع.

-ومما يدل على أن المستمع للغيبة شريك للقائل:

ما أخرجه الخرائطي في"مساوئ الأخلاق" (188) ، والضياء في"الأحاديث المختارة" (1697) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"كانت العرب يخدم بعضهم بعضًا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما، فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعامًا، فقال أحدهما لصاحبه: إن هذا ليوائم [1] نوم بيتكم، فأيقظاه، فقالا: ائتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، وهما يستأدمانك [2] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( قد ائتدما ) )، ففزعا، فجاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله، بعثنا إليك نستأدمك، فقلت: (( قد ائتدما ) )، فبأي شيء ائتدمنا؟ قال:"

(( بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده، إني لأرى لحمه من أنيابكما - وفي رواية: ثناياكما ) )، قالا: فاستغفر لنا! قال:(( هو فليستغفر لكما [3] .

والشاهد في قوله صلى الله عليه وسلم: (( قد ائتدما ) )، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( من أنيابكما ) )، مع أن القائل أحدهما؛ لكن الآخر سكت، ولم ينكر عليه.

(1) ) ليوائم نوم بيتكم: يعني نومه يشبه نوم البيت لا نوم السفر، وهما بذلك عابوه بكثرة نومه، والمواءمة: الموافقة. (قاله الضياء) .

(2) ) يستأدمانك: يعني: يطلبان منك الإدام، وهو ما يُسْتمْرَأُ به الخبز.

(3) ) انظر تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للعراقي، وابن السبكي، والزبيدي: 4/ 1754، وانظر:"الدر المنثور: 6/ 95"، وانظر:"تفسير ابن كثير: 7/ 363"- طبعة الشعب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت