وأما الوجه الذي هو نفاق، فهو أن يغتاب إنسانًا، فلا يسمِّيه عند مَن يعرف أنه يريد به فلانًا، فهو يغتابه، يرى في نفسه أنه متورِّع؛ فهذا هو النفاق.
وأما الذي هو معصية، فهو أن يغتاب إنسانًا، ويسمِّيه، ويعلم أنها معصية، فهو عاصٍ، وعليه التوبة.
والرابع: أن يغتاب فاسقًا معلنًا بفسقه، أو صاحب بدعة، فهو مأجور في ذلك؛ لأنه يُحذِّر الناس منه". اهـ"
اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول، فكما يحرُم عليك أن تُحَدِّث غيرك بلسانك بمساوئ الغير، فليس لك أن تُحَدِّث نفسك وتسيء الظن بأخيك.
فأما الخواطر وحديث النفس، فهي معفوٌّ عنها، بل الشك أيضًا معفو عنه، ولكن المنهي عنه أن يظن، والظن عبارة عما تركنُ إليه النفس، ويميل إليه القلب، فقد قال الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12] .
وسبب تحريمه أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علَّام الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءًا إلا إذا انكشف لك بيان لا يَقبل التأويل، فعند ذلك لا يمكنك إلا أن تعتقد ما علمته وشاهدته، وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بأذنك، ثم وقع في قلبك، فإنما الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6] .
فلا يجوز تصديق إبليس، فإذا خطر لك وسواس سوء الظن، فينبغي أن تدفعه عن نفسك، وتقرر عليها أن حال مَن رأيته عندي مستور كما كان، وأن ما رأيته منه يحتمل الخير والشر.
فإن قلت:"فبماذا يعرف عقد الظن، والشكوك تختلج، والنفس تُحدِّث؟"
فنقول: أمارة عقد سوء الظن: أن يتغيَّر القلب معه عمَّا كان، فينفر عنه نفورًا ما ويستثقله، ويفتر عن مراعاته وتفقده وإكرامه، والاغتمام بسببه، فهذه أمارات عقد الظن وتحقيقه.
ومهما خطر لك خاطر بسوء على مسلم، فينبغي أن تزيد في مراعاته وتدعو له بالخير؛ فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك، فلا يلقي إليك الخاطر السوء؛ خيفة من اشتغالك بالدعاء والمراعاة.
ومهما عرفت هفوة مسلم بحجة، فانصحه في السر، ولا يخدعنَّك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه، وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطلاعك على نقصه؛ لينظر إليك بعين التعظيم، وتنظر إليه بعين الاستحقار وتترفع عليه بإزاء الوعظ.