فعلى الإنسان منَّا أن يبحث عن بواعث ودوافع الغِيبة، ويعمل على قطع أسبابها.
وبواعث ودوافع الغِيبة كثيرة، منها:
1 -الحقد وإشفاء الغيظ، وإنفاذ الغضب: فإذا غضب الإنسان فإنه يتشفَّى بذكر مساوئ الغير إن لم يكن ثَمَّ دين يردعه، وربما لم يقدر على إنفاذ غضبه، فيحتقن الغضب في الباطن فيصير حقدًا، فتقع بسببه الغِيبة، وعلاج ذلك: هو كظم الغيظ عند الغضب، وعليه أن يعفو ويصفح؛ رجاء أن يدخل تحت قوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] ، ويتذكر قوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] .
-وليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَن كتم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يُخيِّره من الحور العين، يُزوجه منها ما يشاء ) )؛ (رواه الترمذي وأبو داود عن معاذ بن أنس رضي الله عنهما، وهو في صحيح الجامع: 6518) .
فترى البعض ربما يوافق أقرانه، ويجامل رفقاءه، ويشارك جلساءه الغِيبة، ويرى أنه لو أنكر عليهم، أو قطع المجلس، استثقلوه ونفروا عنه، ويحسب أن ذلك من حسن المعاشرة، وهذا خطأ كبير، وذنب عظيم، وعلاج ذلك: أن يسعى دائمًا لرضا الله حتى لو كان بسخط الناس.
فقد أخرج ابن حبان في"صحيحه"من حديث معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَن التمس رضا الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومَن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ) ).
-وفي رواية: (( مَن أرضى الله بسخط الناس، كفاه الله الناس، ومَن أسخط الله برضا الناس، وكَلَه الله إلى الناس ) )؛ (السلسلة الصحيحة: 2311) .
فعلى الإنسان أن يردَّ غيبة أخيه المسلم، فإن لم يستطع فعليه القيام من هذا المجلس؛ امتثالًا لقوله تعالى: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140] .
-ولا أجد مثالًا لمَن يخوض في عِرض إنسان مجاملة لجلسائه إلا ما روي عن عيسى عليه السلام؛ حيث قال لجلسائه:"أرأيتم لو أتيتم على رجل نائم، قد كشفت الريح عن بعض عورته، أكنتم تسترون عليه؟ قالوا: نعم، قال: بل كنتم تكشفون البقية، قالوا: سبحان الله! كيف نكشف البقية؟ قال: أليس يذكر عندكم الرجل بالسوء، فتذكرونه بأسوأِ ما فيه؟ فأنتم تكشفون بقية الثوب عن عورته".