ومنهم من يرى أن الوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بسلام ويجلس للتشهد وسطهن كصلاة المغرب وهذا هو رأي الحنفية والهادوية [1] ومنهم من يرى أن الوتر ركعة من شرطها يسبقها شفع، وهذا هو رأي الإمام مالك، فيكون أقل المشروع عنده ثلاث ركعات يفصل بينهن بسلام [2] .
والسبب في اختلاف الفقهاء حول هذه المسألة يعود إلى كثرة الآثار الواردة في ذلك، ومخالفة بعضها بعضا.
فيدل لرأي الشافعية والحنابلة بأن الوتر ركعة ما روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الوتر ركعة من آخر الليل» [3] وأيضا فقد روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل فقال: «صلاة الليل مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى» [4] .
وأما الحنفية والهادوية فقد استدلوا على قولهم بأن صلاة الوتر ثلاث ركعات كصلاة المغرب بما روي عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن» [5] وقد أجيب عن ذلك بما روى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس أو سبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب» [6] .
وقد حاول الحافظ في الفتح أن يجمع بين أحاديث الثلاث والنهي عنها بحمل النهي على صلاة الثلاث بتشهدين كصلاة المغرب وتجويز الثلاث موصولة بتشهد واحد خلافا لما يقول به الحنفية [7] .
واستدل الإمام مالك على مذهبه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوتر قط إلا في أثر شفع، فرأى أن ذلك من سنة الوتر [8] . ويرى الجمهور أن ذلك شرط كمال الوتر، وليس بشرط لصحتها [9] والواقع
(1) فتح الوهاب 1/ 55، سبل السلام 2/ 24 ط دار زهران.
(2) موطأ مالك 1/ 125 ط عيسى الحلبي.
(3) رواه مسلم - كتاب المساجد - باب صلاة الليل مثنى مثنى 2/ 173.
(4) رواه البخاري - كتاب الجمعة - باب ما جاء في الوتر 1/ 176.
(5) رواه الحاكم وصححه الذهبي - المستدرك مع التلخيص 1/ 304 وانظر الاختبار لتعليل المختار 1/ 72 ط المطبعة الأميرية، بدائع الصنائع 1/ 71.
(6) رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين المستدرك - كتاب الوتر 1/ 304.
(7) فتح الباري 2/ 385.
(8) الكافي في فقه أهل المدينة 1/ 259، بداية المجتهد 1/ 201 ط مصطفى الحلبي.
(9) ويؤيد ذلك حديث أبي أيوب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الوتر حق، فمن شاء فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث ومن شاء فليوتر بواحدة» رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد المستدرك كتاب الوتر 1/ 302.