وأيضا فقد روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: فأعلمهم أن الله قد اقترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة» وقد كان ذلك قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بقليل.
وأجاب الجمهور عما استدل به أبو حنيفة بأن أكثرها ضعيف. وأيضا فإن ابن المنذر قد روى عن أبي أيوب حديثا بلفظ: الوتر حق وليس بواجب» [1] وهذا يناقض دعواهم بأن المراد بالحق في الحديث الواجب، فيحمل ما استدل به أبو حنيفة إذن على بيان تأكيد هذه الصلاة، ويحمل ما استدل به في التوعد على تركها على أنه للمبالغة في ذلك للتأكيد [2] .
وبناء على هذه المبالغة في تأكيد صلاة الوتر وجدنا الإمام أحمد يصف من يتركها عمدا بأنه رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل له شهادة [3] .
وبذلك تظهر فضيلة صلاة الوتر، كما ظهر من قبل فضيلة ركعتي الفجر، وبأنهما من آكد السنن الراتبة. ويقودنا ذلك إلى التساؤل عن أي منهما هي الأفضل من الأخرى؟
والواقع أن العلماء غير متقن على إجابة واحدة على ذلك: فالإمام الشافعي في الجديد يرى أن الوتر أفضل، واحتج بكونه مختلفا على وجوبه، وسنة الفجر مجمع على كونها سنة فكان الوتر أوكد، وهذا هو الرأي الأصح عند الحنابلة، وبه قال المالكية حيث اعتبروا ركعتي الفجر من الرغائب، والوتر من السنن، وهي أعلى منزلة [4] .
وكان من مذهب الشافعي في القديم أن سنة الفجر آكد لقوله صلى الله عليه وسلم «صلوها ولو طردتكم الخيل» ولأن عددها محصور لا يزيد ولا ينقص فأشبهت المكتوبة وهذا هو رأي بعض الحنابلة [5] .
والأولى من ذلك أن يقال: إنهما سواء في الفضيلة، وهذا الرأي منقول عن ابن تيمية وبعض الشافعية [6] .
اختلف الفقهاء في عدد ركعات الوتر وفي صفة أدائها اختلافا كبيرا فمنهم من يرى أن أقل الوتر ركعة. وأكثره إحدى عشرة على اختلاف الروايات في مذهب الشافعي وأحمد [7] .
(1) نيل الأوطار 3/ 29.
(2) المغني 2/ 161.
(3) المغني 2/ 161.
(4) بل إن الوتر عندهم هو آكد السنن على الإطلاق، بلغة السالك 1/ 148.
(5) المهذب 1/ 119، المغني 2/ 116.
(6) وفي ذلك يقول ابن تيمية «سنة الفجر تجري مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي سنة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص» زاد المعاد 1/ 316 ط مؤسسة الرسالة.
(7) روضة الطالبين 1/ 382، تصحيح الفروع 1/ 411.