وفرق إسحاق بن راهويه بين صلاة الليل وصلاة النهار فقال: إن تكثير الركوع والسجود أفضل بالنهار، والعكس في الليل، لأنهم وصفوا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بطول القيام بالليل بعكس النهار» [1] .
وأما الحنابلة فإن الراجح عندهم تساوي الأمرين لتعارض الأخبار في ذلك [2] .
وعندي أن الرأي الأول أرجح لأن الحديث الأول الذي استدلوا به ورد بصيغة أفعل الدالة على التفضيل وأما أحاديث الإكثار من الركوع والسجود فليس فيها سوى استحباب ذلك دون تفضيلهما على غيرهما.
ذكرنا فيما سبق عند ذكر مسنونات الصلاة حكم الجهر والإسرار فيما يتعلق بالصلوات المفروضة، وأما الكلام على النوافل فيختلف بحسب ما إذا كانت النافلة ليلا أو نهارا. فأما نافلة النهار فالسنة فيها المخافتة، لما روي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سمعتم الرجل يجهر بالقراءة نهارا فارجموه بالبعر» [3] .
ولأن النوافل اتباع الفرائض، والحكم في الفرائض كذلك في صلاة النهار. [4] وأيضا فإن صلاة النهار عجماء [5] .
وأما نافلة الليل فالمصلي فيها بالخيار بين الجهر والإسرار، لما روي عن عائشة أنها سئلت كيف كان قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل؟ فقالت «كل ذلك قد كان يفعل، ربما أسر بالقراءة وربما جهر» [6]
غير أنه يجب على المصلي أن يراعي ما فيه مصلحة لصلاته بما لا يضر الآخرين، فإن كان أنشط له في القراءة، أو كان بحضرته من يستمع فقراءته أو ينتفع بها فالجهر أفضل. وإن كان قريبا منه من يتهجد أو
(1) المراجع السابقة في بيان الرأي الأول.
(2) المغني 2/ 141، زاد المعاد 1/ 60.
(3) رواه بن أبي شيبة في مصنفه 1/ 321 ط مكتبة الرشد الرياض ورواه العجلوني في كشف الخفاء 2/ 37 ط مؤسسة الرسالة.
ورواه أبو شجاع، شيرويه بن شهر دار في كتاب الفردوس بمأثور الخطاب 1/ 266 ط دار الكتب العلمية بتحقيق سعيد بن بسيوني.
والحديث قال عنه النووي في المجموع: هذا الحديث باطل غريب لا أصل له، المجموع للنووي 3/ 344 ط دار الفكر.
(4) بدائع الصنائع 1/ 161.
(5) المهذب 1/ 107.
(6) رواه الترمذي وصححه حديث رقم 449.