ومما ينبغي معرفته هنا أن القاعدة إنما يستحق نصف أجر القائم إذا لم يكن عاجزا عن القيام، وأما إن كان عاجزا عن القيام فإن ثوابه يكون كثواب القائم، قال ابن بطال: «لا خلاف بين العلماء أنه لا يقال لمن لا يقدر على الشيء، لك نصف أجر القادر عليه، بل الآثار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن من منعه الله وحبسه عن عمله بمرض أو غيره يكتب له أجر عمله وهو صحيح» [1] .
وهل يجوز لمن شرع في النفل قائما أن يقعد والعكس؟
وأما القيام بعد القعود فلا خلاف على جوازه بين الفقهاء، لحديث السيدة عائشة رضي الله عنها أنها لم تر النبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعدا قط حتى أسن، فكان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع» [2] .
وأما القعود في صلاة النافلة بعد افتتاحها قائما فإنه يأخذ نفس الحكم السابق عند جمهور العلماء. وخالف في ذلك الإمامان أبو يوسف ومحمد من الحنفية فقالا بعدم جواز صلاة النافلة من قعود لمن ابتدأها من قيام إلا لعذر كمن مرض بعد الافتتاح، وهذا لأن الشروع ملزم كالنذر، ولو نذر أن يصلي ركعتين قائما لا يجوز له القعود من غير عذر فكذا إذا شرع قائما. وهذا هو القياس عندهما أيضا في القيام بعد الجلوس، إلا أنهما استثنيا تلك الحالة بالحديث المتقدم عن السيدة عائشة.
وأما الجمهور فإنهم حملوا هذا الحديث على العموم، وبرأي أبي يوسف ومحمد أخذ الإمام أشهب من المالكية، فمنع الجلوس لمن نوى صلاة النقل قائما [3] .
كما بينا سابقا عند ذكر شرط استقبال القبلة لصحة الصلاة، فإنه يجوز للمتنفل أن يصلي على راحلته حيث توجهت به، وقد نقل الإمام النووي إجماع المسلمين على ذلك [4] وذلك لما رواه ابن عمر قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يسبح على الراحلة قبل أي وجهة توجه ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة» [5] .
(1) نيل الأوطار 3/ 82، صحيح مسلم بشرح النووي 6/ 14. وعكس هذا الرأي في حاشية السندي على هامش صحيح البخاري 1/ 195.
(2) متفق عليه واللفظ البخاري. صحيح البخاري - كتاب الكسوف - باب إذا صلى قاعدا ثم وجد حقه تمم ما بقي 1/ 196، مسلم كتاب صلاة المسافرين - باب جواز النافلة قائما وقاعدا 2/ 162.
(3) بدائع الصنائع 1/ 297، قوانين الأحكام الشرعية ص 67، نيل الأوطار 3/ 82، صحيح مسلم برح النووي 6/ 11.
(4) صحيح مسلم بشرح النووي 5/ 210.
(5) المقصود بالتسبيح: صلاة النافلة والحديث صحيح متفق عليه - صحيح البخاري - كتاب الكسوف - باب ينزل المكتوبة 1/ 193 ورواه مسلم - كتاب صلاة المسافرين - باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت 2/ 150.