الصفحة 14 من 85

تحرير محل النزاع:

أما الإكراه الملجئ باصطلاح الشافعية ومن وافقهم فهو يمنع التكليف باتفاق؛ لأن المكلف لا ينسب إليه شيء من العمل فهو كالآلة.

ولكن الحنفية لا يسمون هذا النوع إكراها، بل يقولون الفعل لا ينسب إلى الإنسان أصلا، فلا يقال أكره عليه، فإذا أُلقِي الإنسان من مكان مرتفع على طفل فمات الطفل فالقاتل ليس الملقَى، بل الملقي، والملقى لا يعدو أن يكون آلةً، فهو كالحجر.

وأما الإكراه غير الملجئ باصطلاح الحنفية فهو لا يمنع التكليف باتفاق، لأنه تهديد بما يمكن تحمله، فإقدام المكره على الفعل يكون باختياره؛ لأنه متمكن من الصبر على الأذى الذي هدد به. ويبقى الإكراه الملجئ باصطلاح الحنفية وهو ما كان التهديد فيه بقتل أو قطع طرف أو جرح أو ضرب مؤلم ونحو ذلك ممن يمكنه فعل ما هدد به.

فهذا مختلف فيه والراجح ما ذهب إليه الجمهور أن المكره مكلف، وأن الإكراه لا يمنع التكليف، وهذا لا يعني مؤاخذته على كل ما أكره عليه.

من أنواع الإكراه:

1 ـ أفعال الكفر، كتمزيق المصحف وإهانته والذبح للصنم ونحو ذلك، وهذه كالنطق بالكفر يرخص للمكره في فعلها إن فعلها وقلبه مطمئن بالإيمان على الصحيح. وذهب بعض العلماء إلى أنه يؤاخذ عليها؛ لحديث الرجلين اللذين مرَّا على صنم لا يجوزه أحد حتى يقرِّب إليه قربانا .. الحديث.

والصواب عدم مؤاخذته، وهذا الحديث لا دليل فيه على مسألتنا؛ لأن الرجل الذي قرب ذبابا قربه مختارا طائعا بدليل أنه علل عدم التقريب للصنم بعدم وجوده ما يقربه، ولم يعلله بالتحريم والخوف من غضب الله جل وعلا.

ويمكن أن يجاب بأن هذا في شرع من قبلنا وقد جاء شرعنا بخلافه فأباح لنا النطق بكلمة الكفر مع طمأنينة القلب فقال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل 106] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (أخرجه ابن ماجه) ولا فرق بين الأقوال والأفعال الكفرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت