وقسم بعضهم النهي ثلاثة أقسام:
أ ـ النهي عن الشيء لعينه، وهذا لا يختلفون في أنه يقتضي فساد المنهي عنه، ومثلوه بالنهي عن بيع الكلب. والنهي عن بيع النجاسات.
ب ـ النهي عن الشيء لوصف ملازم له، وهذا فيه الخلاف بين الحنفية والجمهور، كالنهي عن البيوع الربوية وبيوع الغرر.
ج ـ النهي عن الشيء لأمر خارج، مثل النهي عن الغصب هل يقتضي فساد الصلاة في الدار المغصوبة؟ وهل يقتضي بطلان صلاة المتوضئ بالمغصوب؟ وبعضهم يمثله بالنهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني وقالوا: إن الخلاف في القسم الثاني. دون الأول والثالث.
والظاهر أن الخلاف جارٍ في القسمين الأخيرين، وأما القسم الأول فقد اتفقوا على أنه يقتضي البطلان. ولكن الإشكال يحصل في حد المنهي عنه لعينه، فإنهم لم يذكروا له حدًا يتميز به، ولهذ فإنهم يختلفون عند التطبيق، فقد يقول قائل إن الربا منهي عنه لعينه، وينازعه الآخر ويقول، بل هو منهي عنه لوصفه.
وحيث إن الأكثرين جعلوا مسألة اقتضاء النهي الفساد شاملة للمسألتين السابقتين فالواجب أن نفصل فيها على النحو التالي:
1 -النهي عن الشيء لذاته: لا خلاف في أنه يقتضي البطلان، وقد يمثله الحنفية بالنهي عن بيع حبل الحبلة، وبيع الكلب، والخنزير، والنجاسات.
2 -النهي عن الشيء لوصف ملازم: كالنهي عن صوم يوم العيد، وعن بيوع الربا. وهذا يقتضي الفساد عند جمهور العلماء.
وذهب بعض علماء الحنفية إلى أنه في هذا القسم يفرق بين العبادات وغيرها؛ ففي العبادات يقتضي الفساد، فصيام يوم النحر باطل باتفاق.
وأما المعاملات كبيع درهم بدرهمين، فهو عندهم بيع فاسد، ولكن يثبت به الملك مع التقابض.
فهم وإن سموه فاسدًا لكنه عندهم ليس بباطل كما هو عند الشافعية والحنابلة؛ وذلك لأن الفساد عرض له لأجل الزيادة فلو ردت الزيادة لصح البيع.
والمالكية وافقوا الجمهور في القاعدة، ولكنهم في البيوع الربوية يرون ثبوت الملك بها في بعض الحالات كهلاك السلعة، وانتقال الملك وتغير الأسواق.
3 ـ وأما القسم الثالث، وهو النهي المتعلق بأمر خارج عن المأمور به ذا صلة به من حيث كونه متعلقًا بشرط من شروطه الشرعية أو العقلية أو العادية، فهذا لا يقتضي الفساد عند أكثر العلماء، وهو الراجح.