الصفحة 15 من 99

رجعت من المستشفى يوم ذاك من أجل العلاج، وتحسن حالي فخلت أني في مسلك الفجاج، فخلعت ردائي ثم رقدت على سريري من أجل ألم المرض، وإني لكذالك إذ طرق مسمعي صوت أبيك، فعبس وجهي بعد افتراره، ثم هيأ جسمي للقيام من السرير بعد استقراره، فنظرت إلى ناحية من نواحي البيت، فإذا هو جالس تحت قدميه، وأسلم رأسه إلى ركبتيه، فرأيته مصفر اللون، مغبر الوجه، وفكره عن العمل عاطل، وغاب عن رشده وهو ذاهل، كأن نكبة من نكبات الدهر نزلت بساحته، فاقتربت منه مستفهما عن سبب هذا الحضور، وعدم إظهار الوجه بالسرور،

فقال: إن عبد الغفار ولدي، وفلذة كبدي، ووارث اسمي ولقبي، يفجع روحي وقلبي. . . . . .

و هنا توقف عن الكلام، واضطرب واطرق رأسه على الأرض كأن به آلام، فسألته عن معنى طرق الرأس، وما لون هذا اليأس، فرفع رأسه فإذا دمعة تنحدر على خده، وكتاب موجود في يده، وقال اعذرني يا السماحة السيد لما نزل عليّ البكاء بين يديك، وإنك لتعلم أني وُلدت تحت غير هذه السماء، ونشأت ولم يعرف قلبي ما يدعو إلى البكاء، إلا أن عبد الغفار انقلب عن المذهب، وهذا الذي كتب ضدنا.

فأخذت منه الكتاب وظلت أدور فيه بنظري، وأغرقت في التأمل للبحث عن سبب الذي قادك إلى هذا العمل، فأمعنت فيه النظر حتى فشلت في فهمه وتحير مني الأمل، هنالك شعرت كأن الأرض والفضاء بي تدور، وأن الشمس كورت فلم أعد أرى منها النور، وجعلت فرائصي ترتعد وتصطك فأسندت خدي، على صفحة يدي، فهناك اختلط عندي الأفكار، ودخل في داخلي الأضرار، واسود لون النهار، وسال اللعاب من فمي سيلان الأنهار، فحاولت إغلاق فمي ليتوقف اللعاب من السيلان، ولينجو رأسي من مصارعة الخواطر بالأفكار، لكن غلب علي الإعياء، وأخذ مكان التفكير البكاء.

فعجزت عن تمييز بين الواقع والخيال، وقلت أنا في أين ومن أي الأجيال، فقيل إنك في المستشفى، يا ابن رسول الله المصطفى، وقد أصابتك وقفة التنفس فكنت في الإغماء، وهذا سابع يوم لم تفق ولم تذق شربة الماء، ولما تحسن حالي وجاءتني العافية، لم أرغب أن أحرك آلة ذاكرتي للتفكير في هذه الناحية، فكاتبتك مستفهما لتوضح لي السبيل، وتتكلم معي بالدليل، حتى أتحقق أ صحيح ما قال،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت