و قام كل الأعداء لإسقاطه في الفشل، ويوقفوا انتشاره بكلام يدعو إلى الكسل، وبحثوا في عقائده لعلهم يجدون فيها نقصا أو علة، أو يعثرون فيها ما يخالف تعاليم الملة، وخاضوا في كتب أمهاته، وفتشوا في مراجع مهماته، مع مقتضى الكراهية والشحناء، والبغض والإزدراء، فما وجدوا إلى ذلك سبيلا، ولا طريقا إلى الكذب عليه ولو قليلا،
و كان مستورا في كوخ الخمول في أول أمره، لا يدان به أحد في العوام والخواص في بدابة عمره، ولما قمت لنشر الدين والبيان، وفقني الله وأسهل جري الكلام على اللسان، ووهبني فصاحة الكلام، والحكمة في جلب عقول العوام، وأدخل الله حب المذهب في قلوب الأحباء، ورفع ذكره وعلا شأنه في مرأى من الأعداء، ويشاع ذكره في مشارق الأرض ومغاربها، ونجا المسلمون من لدعة دواب البدعة وعقاربها، ويذكره الناس بذكر الخير والجميل.
و جعلت المساجد تمتلأ من كثرتهم، وينشرح الصدر فرحا عند رؤيتهم، ويدينون الله به وهم في أوطانهم، ويستقبلون القبلة في الصلاة وهم في مكانهم، وتذهب عنهم الضغينة والحقد عنهم فتنشرح الأكباد، ويتلذذ عند رؤيتهم الفؤاد.
و قام قوم من كل جهات الأرض وناصبوا له العداء، وجاهدوا كل الجهاد لإجاحته بالأموال وكل الأشياء، بنية اطفاء نوره، ومنع ظهوره، وقتلوا جماعته بالكيد، وجروهم إلى السجن بالتهم، وآذوهم بكل أنواع الأذى، بل ضربوا عليهم بالعصي والحذاء، فعصم الله مذهب أهل السنة، من مكر أهل الفتنة، وقد كتبوا كتبا ولعنوا على الأصحاب، وأشاعوها في الرجال والشباب.
و إن مذهب أهل السنة في بلدنا قد انتشر في هذا الزمان، انتشاره في بقية البلدان، وإنه لم يكن قبل ثلاثين سنة أثر الوجود، وما عثر على انتشاره أحد من أهل العلم، بل لو قيل قبل هذه المدة أنه سينتشر بهذا الشكل، لقيل من المحال ولا يقبله صاحب العقل، بل كان كل يستبعد انتشاره ويعتبره من قبيلة الوهم، ويضحك عليه الجهلاء، ويحسبونه من نوع الإفتراء، بل يرون من نوع حديث النفس، بمقتضى من أصابه الجن بالمس، أو يحسبه من وسوسة الإبليس والشيطان، ويرى ذلك من المستحيلات لمخالفته بفعل نوع الإنسان،