الإيجاب إذ ليس أحدهما أولى من الآخر، فإذن الواجب طاعة الله تعالى - وطاعة من أوجب الله طاعته» [1] .
قال أبو زهرة: «وهذا التعريف يومئ لا محالة إلى أن الحاكم في الفقه الإسلامي هو الله، إذ إن هذه الشريعة قانون ديني يرجع في أصله إلى وحي السماء، فالحاكم فيه هو الله وكل طرائق التعريف بالأحكام فيه إنما هي مناهج لمعرفة حكم الله تعالى وأحكام دينه السماوي - على هذا اتفق جمهور المسلمين بل اجمع المسلمون ... فإن الإجماع قد انعقد على أن الحاكم في الإسلام هو الله تعالى، وأنه لا شرع إلا من الله وقد صرح بذلك القرآن الكريم فقال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [2] وقال تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [3] » [4] .
«ومتى تقرر أن الألوهية لله وحده بهذه الشهادة - لا إله إلا الله - تقرر بها أن الحاكمية في حياة البشر لله وحده والله سبحانه وتعالى يتولى الحاكمية في حياة البشر عن طريق تصريف أمرهم بمشيئته وقدره من جانب، وعن طريق تنظيم أوضاعهم وحياتهم وحقوقهم وواجباتهم، وعلاقاتهم وراتباطاتهم بشريعته ومنهجه من جانب آخر، وفي النظام الإسلامي لا يشارك الله سبحانه أحد لا في مشيئته وقدره، ولا في منهجه وشريعته ... وإلا فهو الشرك أو الكفر، وبناء على هذه القاعدة لا يمكن أن يقوم البشر بوضع أنظمة الحكم وشرائعه وقوانينه من عند أنفسهم لأن هذا معناه رفض ألوهية الله وادعاء خصائص الألوهية في الوقت ذاته ... وهذا هو الكفر الصراح» [5] .
وفي هذه القاعدة الأصيلة يختلف نظام الحكم الإسلامي في أساسه عن كل الأنظمة البشرية والقوانين الوضعية [6] حيث تكون السيادة في الحكم الإسلامي للشرع والسلطان للأمة، بينما النظام الديمقراطي تكون السيادة للأمة، والأمة مصدر السلطات، ذلك أن أوروبا كان يحكمها ملوك، وكانت تتحكم فيها نظرية الحق الإلهي، وهي أن للملك حقًا إلهيًا على الشعب، فالملك بيده التشريع والسلطات والقضاء، والشعب هو رعية الملك فلا حق له، لا في التشريع ولا في
(1) ... الغزالي، حجة الإسلام: المستصفى (1/ 8 و 83) .
(2) ... الأنعام/ 57.
(3) ... المائدة/ 49.
(4) ... أبو زهر، الشيخ محمد: أصول الفقه ن ص (63) .
(5) ... قطب، سيد: العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص (104) .
(6) ... انظر حول هذا الموضوع: آل الشيخ، محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف (1389 هـ) تحكيم القوانين ومعه رسالة للشيخ، ابن باز في وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه.