الصفحة 45 من 76

فارَّة من هذه المشكلات بكل ما تملك، غير قادرة على الوصف بدقة ووضوح لاختلاف فطرتها وتباين طبيعتها عن الرجل، وقد تقع في غيبوبة قد تفقدها الوعي.

وعلى العكس من ذلك، يرى الفقهاء الأخذ بشهادة المرأة ولو منفردة في الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، كشهادتها في الرضاع والبكارة والثيوبة والحيض والولادة ونحو ذلك مما يختصّ بمعرفته النساء، لأن الرسول قبل شهادة امرأة واحدة في الرضاع.

ومن الفقهاء من يرى الأخذ بشهادة النساء وحدهن في الأمور التي تحدث في جماعة النساء فحسب ولا يكون فيها الرجال كجناية حصلت في حمام النساء أو الأعراس وغير ذلك. فما اعتاد الناس أن يجعلوا فيه للنساء أماكن خاصة، فإذا اعتدت إحداهن على أخرى بقتل أو جرح أو كسر وشهد عليها شهود منهن، فهل تُهدر شهادتهن لمجرد إنهن إناث؟ أو تطلب شهادة الرجال في مجتمع لا يحضرون فيه عادة. فالأولوية الشرعية منها لشهادة المرأة، إذ هي أكثر اتصالًا بهذه المسائل من الرجل، بل روي عن الشعبي أنه قال من الشهادات ما لا يجوز فيه إلا شهادة النساء [1] . فالصحيح أن تعتبر شهادتين ما دمنا عادلات ضابطات واعيات.

وأما المعاملات المالية والشؤون التجارية وما قد ينشأ عنها من خصومات ودعاوى، فلكل من الرجل والمرأة علاقة بها غير أن صلة الرجل بها واندماجه فيها أشد من صلة المرأة بها وآية ذلك أن الذين ينغمسون في الأعمال التجارية وينشطون في إجراء صفقاتها هم الرجال في كل الأزمنة وفي مختلف المجتمعات فإن رأيت بينهم نساء فهنّ في الغالب موظفات في أعمال إدارية ومكتبية.

ونظرًا إلى هذا الواقع الذي يفرض نفسه في كل مجتمع فقد جعل الله حكم الشهادة فيه للرجل مع قبول شهادة المرأة، والوجه التطبيقي أن تقوم شهادة امرأتين في هذه الأمور مقام شهادة الرجل الواحد كما قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} [2] .

ولكن لماذا امرأتان؟ إن النص لا يدعنا نحدس، ففي مجال التشريع يكون كل نص محددًا واضحًا معللًا: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} ، {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} ومعنى الضلال هنا البعد عن الصواب والحق، فقد ينشأ من النسيان بسبب طبيعة المرأة وما يعتريها من مشقة الحمل والولادة والرضاعة والحضانة ومن تغير نفسي وجسدي نتيجة الحيض

(1) ... انظر: مصنف ابن أبي شيبة، (4/ 429) .

(2) ... البقرة/ 282.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت