فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 181

عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَخْطُرُ فِي حُلَّةٍ لَهُ. فَلَمَّا قَامَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"يَا بُرَيْدَةُ، هَذَا مِمَّنْ لَا يُقِيمُ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا". وَقَدْ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا: (بسنده) ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِرَجُلٍ عَظِيمٍ طَوِيلٍ، فَلَا يَزِنُ عند الله جناح بعوضة، اقرؤوا: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} .) [1] أ. ه.

قلتُ: روى البخاري في صحيحه (بسنده) - عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا» فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» [2] ... ا. ه.

الحق أن موازين الرجال الحقيقية تختلف تماما عن تلك الأصول التي وضعتها لنا الأيام، وزادها نقص تأملنا في الحياة استقرارا ونفوذا. وكالعادة يأتي الإسلام ليضع النقاط على الحروف، ويقيم المعاني على حقيقتها بغير تزويرٍ، وبكل ازدراءٍ لعبوديتنا العادة والتقاليد والتي تكون أحيانًا كثيرةً - جائرةً مخالفةً للفطرة والحق .. هكذا الإسلام يزن الرجال بميزان الرجولة الصحيحة؛ لا المُدَّعاة .. يزن الإنسان بمعدنه الأصيل الذي يرتفع بارتفاع عقيدته وإنسانيته وأخلاقه؛ لا بالمال والجاه والنسب والعِرق .. هكذا يعلِّم الإسلام الإنسان في مدرسته أن قمة الحرية الإنسانية في كمال عبوديته لربه .. لأنه آنذاك يتحرر من رِق كل شئٍ يدنس تكريم الخالق العظيم له .. يتحرر من رِق الشهوات المهلكة الدنيئة، ومن رِق العادات والتقاليد التي تهين العقل والروح، ومن رِق الجهل والأخلاق الردية، والطغيان في الأرض .. ينتقل بروحه إلى النور، وبعقله إلى التكريم، وبجسده إلى الطهارة، وبفعله إلى الخير، والعدل، والحق .. ولذلك كله فالموازين في ساحة الحق تختلف، ودرجات الرجال في الإسلام تتفاضل بالإيمان، والعمل الصالح، وأثر المرء في تهذيب معنى الحياة .. جاء في سنن ابن

(1) من تفسير ابن كثير 5\ 203 دار طيبة 1999.بتصرف.

(2) صحيح البخارى كتاب الرقاق، باب فضل الفقر رقم 6447.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت