ربه من قبل بالمعية الإلهية الخاصة ومحمدًا صلى الله عليه وسلم في ادق وأحرج وأعلى مواقف الدعوة في الهجرة المباركة .. وإن قلت أن مكانة أبي بكر في قلب رسول الله لا تدانيها مكانةٌ ما بالغتُ، كيف لا وقد سأل صلى الله عليه وسلم عن أحب الناس إليه فأجاب بلا تردد أنه أبو بكر .. والجزاء من جنس العمل فالرجل لم يتردد في قبول الإسلام طرفة عين .. قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر، ما عتم عنه حين ذكرته، وما تردد فيه"عتم: أي لبثَ. قال البيهقي: وهذا لأنه كان يرى دلائل نبوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويسمع آثاره قبل دعوته، فحين دعاه كان قد سبقه له فيه تفكر ونظر، فأسلم في الحال؛ ثم أخرج عن أبي ميسرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا برز سمع من يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوت وَلَّى هاربًا، فأسر ذلك إلى أبي بكر، وكان صديقًا له في الجاهلية [1] . قال العلماء: صحب أبو بكر النبي -عليه الصلاة والسلام- من حين أسلم إلى حين توفي، لم يفارِقه سفرًا ولا حضرًا، إلا فيما أذن له عليه الصلاة والسلام في الخروج فيه من حج وغزو، وشهد معه المشاهد كلها، وهاجر معه، وترك عياله وأولاده رغبة في الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو رفيقه في الغار، قال تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (التوبة: 40) وقام بنصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غير موضع، وله الآثار الجميلة في المشاهد، وثبت يوم أحد ويوم حنين، وقد فرّ الناس [2] .
إن الدرس الأول في حياة الصديق رضى الله عنه هو قوة الإيمان التي تصنع من البشر رجالًا، ثم تزرع في الرجال أبطالًا، وفي مثل أبي بكرٍ ترتقي بالرجولة إلى أعلى رتب الجندية لله التي توازي الملائكية بل تباهى بها الملائكة. أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: تباشرت الملائكة يوم بدر، فقالوا: أما ترون الصديق مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في العريش؟. وأخرج أبو يعلى، والحاكم، وأحمد، عن علي قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر ولأبي بكر:"مع أحدكما جبريل، ومع الآخر ميكائيل وَإِسْرَافِيلُ مَلَكٌ عَظِيمٌ يَشْهَدُ الْقِتَالَ - أَوْ قَالَ: يَشْهَدُ"
(1) أورده ابن كثير في البداية والنهاية"27/ 3".نقلا عن تاريخ الخلفاء للسيوطى 1/ 32.
(2) المرجع السابق 1/ 32.