بال، حتى يحقق في دنيا الناس ما آمن به، دون أن تكون انطلاقته دفعة عاطفية مؤقتة سرعان ما تخمد وتذبل وتزول، وقد بقي نشاط أبي بكر وحماسته إلى أن توفاه الله جل وعلا لم يفتر أو يضعف أو يمل أو يعجز.
ونلاحظ أن أصحاب الجاه لهم أثر كبير في كسب أنصار للدعوة، ولهذا كان أثر
أبي بكر - رضي الله عنه - في الإسلام أكثر من غيره. وبعد أن كانت صحبة الصديق لرسول الله، مبنية على مجرد الاستئناس النفسي والخلقي, صارت الأنسة بالإيمان بالله وحده، وبالمؤازرة في الشدائد، واتخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام من مكانة أبي بكر، وأُنس الناس به ومكانته عندهم قوة لدعوة الحق، فوق ما كان له عليه الصلاة والسلام من قوة نفس، ومكانة عند الله وعند الناس) [1] .
هذا هو الصديق أبو بكر النموذج الأرِقى للعمل الإيماني .. إنه الإيمان الذي ينزرع في أرض الإسلام أشجارًا عظيمةً تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها .. الإيمان بالقلب والقول والعمل .. الإيمان بالنفس والمال والولد .. أخرج ابن عساكر عن علي -رضي الله عنه- قال: لما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه، ودعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ... قال الله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} (الليل: 18، 17) إلى آخر السورة. قال ابن الجوزي: أجمعوا على أنها نزلت في أبي بكر.
وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر"فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟.
قال ابن كثير: وروى أيضًا من حديث علي، وابن عباس، وأنس، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، رضي الله عنهم، وأخرجه الخطيب عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وزاد: وكان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه.
(1) 112 نقلا عن كتاب السِّيرةُ النّبوية - عرضُ وقائع وَتحليل أحدَاث، للعلامة: عَلي محمد محمد الصَّلاَّبي، دار المعرفة، بيروت - لبنان، ط. السابعة، 1429 هـ - 2008 م، 1/ 89،90.