فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 181

التاريخ يذكر لنا أن انتشار الإسلام في أصقاع بعيدة لم يكن بجيش أو بسيف، وإنما كان بأخلاق الإسلام يظهرها تجار مسلمين حسني الإسلام ... وهذا الدرس الأهم للرجولة الإسلامية القدوة التي -وكما تعلمت من محمد صلى الله عليه وسلم- تعلم الدنيا كلها بالقدوة الصالحة .. تلك القدوة تكون - أول ما تكون الحاكم في حياتها، ثم تسري في الأمم الأخرى الباحثة عن الخير والحق، وهو بالضبط معنى الآية الكريمة"وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104 آل عمران) .. (إن قيام هذه الجماعة ضرورة من ضرورات المنهج الإلهي ذاته. فهذه الجماعة هي الوسط الذي يتنفس فيه هذا المنهج ويتحقق في صورته الواقعية. هو الوسط الخير المتكافل المتعاون على دعوة الخير. المعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل. والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم .. عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر. والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة. والحق فيه أقوى من الباطل. والعدل فيه أنفع من الظلم .. فاعل الخير فيه يجد على الخير أعوانا. وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلانًا .. ومن هنا قيمة هذا التجمع .. إنه البيئة التي ينمو فيها الخير والحق بلا كبير جهد، لأن كل ما حوله وكل من حوله يعاونه. والتي لا ينمو فيها الشر والباطل إلا بعسر ومشقة، لأن كل ما حوله يعارضه ويقاومه ... هذا الوسط الخاص يعيش بالتصور الإسلامي ويعيش له فيحيا فيه هذا التصور، ويتنفس أنفاسه الطبيعية في طلاقة وحرية، وينمو نموه الذاتي بلا عوائق من داخله تؤخر هذا النمو أو تقاومه. وحين توجد هذه العوائق تقابلها الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وحين توجد القوة الغاشمة التي تصد عن سبيل الله تجد من يدافعها دون منهج الله في الحياة. هذا الوسط يتمثل في الجماعة المسلمة القائمة على ركيزتي الإيمان والأخوة. الإيمان بالله كي يتوحد تصورها للوجود والحياة والقيم والأعمال والأحداث والأشياء والأشخاص، وترجع إلى ميزان واحد تقوم به كل ما يعرض لها في الحياة، وتتحاكم إلى شريعة واحدة من عند الله، وتتجه بولائها كله إلى القيادة القائمة على تحقيق منهج الله في الأرض .. والأخوة في الله. كي يقوم كيانها على الحب والتكافل اللذين تختفي في ظلالهما مشاعر الأثرة، وتتضاعف بهما مشاعر الإيثار. الإيثار المنطلق في يسر، المندفع في حرارة، المطمئن الواثق المرتاح."

وهكذا قامت الجماعة المسلمة الأولى على هاتين الركيزتين .. على الإيمان بالله: ذلك الإيمان المنبثق من معرفة الله- سبحانه- وتَمَثُّلِ صفاته في الضمائر وتقواه ومراقبته، واليقظة والحساسية إلى حد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت