الطبيعية (التي يرجع فيها الفضل إلى العرب) هي التي أعادت أوربا إلى الحياة ولكن الحضارة الإسلامية قد أثرت في حياة أوربا تأثيرات كبيرة ومتنوعة منذ أرسلت أشعتها الأولى إلى أوربا).
فلو جرت الأمور هكذا وتمتعت الأمم الإنسانية بقيادة الجماعة التي خُلقت بقيادتها وأعطيت القوس باريها، وجرت المياه إلى مجاريها، لكان للعالم الإنساني تاريخ غير التاريخ الذي نقرؤه حافلًا بالزلازل والنكبات ناطقًا بطول بلاء الإنسانية ومحنها، لكان له تاريخ مجيد جميل يغتبط به كل إنسان ويقر عينًا، ولكن جرت الأقدار بغير ذلك، وبدأ الانحطاط في المسلمين أنفسهم) [1] . .
بدأ الانحطاط حينما فقد المسلمون ذاكرتهم، ونسوا مكانهم في الأمم وصاروا التابع الذليل، والممالئ الحقير .. حينما تنكروا لجذورهم، وهدموا بأيديهم، وبجهلهم تراثهم، وعقارهم .. ولكن رسولنا علمنا ألا نلعن الظلام، بل نشقه بالنور شقًا .. لنقيم حضارة النور ونهدم صروح الظلام .. بقلوب تحمل عظمة الإسلام، واستبسال أبطاله الذين نشروا نوره من قبل في كل الربوع ...
يحكى لنا الزمان (أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بصرى(ليوصل رسالته بنور الإسلام إلى قيصر الروم) ، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني- وكان عاملا على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر- فأوثقه رباطا، ثم قدمه، فضرب عنقه. (وهكذا يفعل أعداء النور .. لا شرف عندهم، ولا أخلاق، ولا رجولة) .. وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، يساوي بل يزيد على إعلان حالة الحرب، فاشتد ذلك على رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين نقلت إليه الأخبار، فجهز إليه جيشا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وهو أكبر جيش إسلامي، لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب [2] . (جهز جيشه صلى الله عليه وسلم ليقاتل مائتى ألف مقاتل من الفرنجة ونصارى العرب الذين مالئوهم - أو مائة وخمسين على رواية السهيلى- جهزهم ليشق النور طريقه عبر الظلام، ولو تكاثف الظلام وصار أمواجا بعضها فوق بعض .. فإن رجال محمدٍ بحَّارون مهرةٌ يعلمون جيدًا كيف يديرون دفة التاريخ ..
(1) 139 (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) لأبى الحسن الندوي ص 118، مكتبة الإيمان / المنصورة.
(2) الرحيق المختوم للمباركفورى دار العصماء / دمشق، 1/ 326.