يقودون ركب الحضارة الإنسانية لبر الأمان.) .. فلقد كان الإسلام يسرى سريان النور، والشام لم يكن بعيدا عن البلاد العربية، بل كانت به قبائل من العرب، فالغساسنة منهم، وإذا كان الإسلام يسرى نوره فيعم الآفاق القربية، فقد كان من عرب الشام من دخل في الإسلام، أو كان من العرب من سافر إلى الشام. وأولئك المسلمون، وإن كانوا عددا قليلا ضاقت بهم صدور النصارى حرجا، فقتل والى الشام من قبل الرومان من أسلم من عرب الشام، ولا بد أن يحمى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه أولئك الذين يفتنون عن دينهم لتمنع الفتنة عنهم، ويقول في ذلك ابن تيمية في رسالة القتال: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ما بعث إلى حرب الروم في مؤتة إلا بعد أن قتل الوالي الروماني من أسلم في الشام [1] ... وكان لا بد أن يقف أمام هذا الغدر بقوة، ولو كانت مقابل قوة الرومان. وذلك لأنهم فتنوا المؤمنين، بقتل بعضهم فكان ذلك إرهابا لمن يهم بالدخول في الإسلام، ولأنهم قتلوا رسول النبى الأمين صلى الله تعالى عليه وسلم في وقت قد صارت عند النبى صلى الله تعالى عليه وسلم القوة الفاصلة العليا في البلاد العربية، فكان لا بد لذلك من أن يقاوم ذلك الغدر، لأن السكوت يكون ذلة لأهل الإيمان، وذلة للعرب أجمعين، وهم بصدد أن يقوموا بدعوة الحق وحماية الشعوب من طغاتها. [2] ...
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيش وأمَّر رسول الله صلّى الله عليه وسلم على هذا البعث زيد بن حارثة، وقال: «إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة» - وعقد لهم لواء أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة. وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا بالله عليهم، وقاتلوهم، وقال لهم صلى الله عليه وسلم: «اغزوا بسم الله في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغيروا، ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة، ولا كبيرا فانيا، ولا منعزلا بصومعة، ولا تقطعوا نخلا ولا شجرة، ولا تهدموا بناء» [3] . (قلت: هذه هي قمة الخلق الإنسانى الراقي حتى مع الغادرين في ساحة الحرب .. هذا هو الإسلام، وهذا سيف محمد صلى الله عليه وسلم كيف يضع مبادئ البطولة الحقة .. بطولة الرِقى في أى ظرف، وتحت أية ذريعة .. فأين المتشدقين بالحرية والحضارة وهم يقتلون الأطفال بسلاحهم الفسفوري والنووي
(1) خاتم النبيين، لمحمد ابي زهرة دار الفكر العربي / مصر، 3/ 846.
(2) المصدر السابق 3/ 846.
(3) الرحيق المختوم 1/ 327.