والفيروسي، ويشوهون حياتهم لمئات السنين، أين هم من عظمة فرسان الإسلام ومبادئه؟) .. وتحرك الجيش الإسلامي في اتجاه الشمال حتى نزل معان، من أرض الشام، مما يلي الحجاز الشمالي، وحينئذ نقلت إليهم الاستخبارات بأن هرِقل نازل بمآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي مائة ألف. لم يكن المسلمون أدخلوا في حسابهم لقاء مثل هذا الجيش العرمرم، الذي بوغتوا به في هذه الأرض البعيدة- وهل يهجم جيش صغير، قوامه ثلاثة آلاف مقاتل فحسب، على جيش كبير عرمرم، مثل البحر الخضم، قوامه مائتا ألف مقاتل؟ حار المسلمون، وأقاموا في معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وينظرون ويتشاورون، ثم قالوا: (نكتب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له) . ولكن (عبد الله بن رواحة) عارض هذا الرأي، وشجع الناس، قائلا: (يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة) . وأخيرا استقر الرأي على ما دعا إليه عبد الله بن رواحة [1] .
(هكذا الرجال لا تهاب الموت، وإن الأمر برمته لهو عمليةٌ استشهاديةٌ بكل المقاييس .. فماذا يفعل الرجل الواحد بقليل تجهيزه وعتاده أمام ما يقارب السبعين من الرجال الأكثر عتادا وتجهيزا .. إن الشجاعة وبأى تقديرٍ في موقفٍ كهذا لتتبخر وتطير في الهواء .. ولكنه الإيمان الذي جعل(أنس بن النضر) رضى الله عنه يرى الناس يفرون وهو المقبل يعانق الموت .. يقول"إني لأشم ريح الجنة من وراء أحد".. لقد جاوزوا بيقينهم وصدقهم حدود الظروف، وكأنهم صاروا في عوالم من العبير الإيمانى صنعتها بطولتهم، فهم في الحقيقة أقوى من الموت؛ لأنهم يصنعون منه حياةً لا تنتهي أبدًا ... ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْتُ مُؤْتَةَ فَلَمَّا دَنَا مِنَّا الْمُشْرِكُونَ رَأَيْنَا مَا لَا قِبَلَ لأحدٍ بِهِ مِنَ الْعُدَّةِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَالدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ، فَبَرِق بصري، فقال لي (ثابت بن أرِقم) : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كَأَنَّكَ تَرَى جُمُوعًا كَثِيرَةً؟ قلت نعم! قال إنك لم تشهد بدرًا معنا، إِنَّا لَمْ نُنْصَرْ بِالْكَثْرَةِ ..
(1) المرجع السابق 1/ 328.