رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ [1] .. هذا هو المبدأ .. فحين يكون الرجل منا بمليون لا يكون للكثرة حساب ولا للعدة وزن .. وهاهنا ندرك كيف صنع الإسلام رجاله، وأعدهم لشق المستحيل بسيوف الحق ...
ألهم صلى الله عليه وسلم، أن حملة الراية سيكونون المقصودين، فرتب الولاية بينهم فجعلها لزيد بن حارثة لقوة إيمانه، وليعلم أنه لا شرف إلا بالإيمان والعمل الصالح، ثم تكون لجعفر بن أبى طالب الذي هاجر مرتين، لكى يعلم الناس أنه لا يضن بأهله عن مواطن الردى، ثم لعبد الله بن رواحة شاعر الإسلام وفارسه وبطله من الذين آووا ونصروا رضى الله عنهم أجمعين .. وهناك في مؤتة التقى الفريقان، وبدأ القتال المرير، ثلاثة آلاف رجل يواجهون هجمات مائتي ألف مقاتل. معركةٌ عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب. (فلمّا كانوا بتخوم البلقاء، لقيتهم الجموع من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء، يقال لها «مشارف» ودنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها «مؤتة» والتقى الناس، واقتتلوا.
وقاتل زيد بن حارثة- رضي الله عنه- براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى استشهد، وقد أخذت الرماح منه كلّ مأخذ، ثمّ أخذها جعفر فقاتل بها، حتّى إذا أرهقه القتال، اقتحم عن فرسه فعقرها، ثم قاتل، فقطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره، فقطعت يساره، فاحتضن الراية بعضديه حتّى قتل، وله ثلاث وثلاثون سنة، ووجد المسلمون ما بين صدره ومنكبيه وما أقبل منه تسعين جراحة، ما بين ضربة بالسّيف، وطعنة بالرمح كلّها في الأمام، فقد كان هذا البطل العظيم مقبلًا معانقًا للموت لا يهابه، روى البخاري عن نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعددت به خمسين بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره. يعني ظهره. وفي رواية أخرى قال ابن عمر: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية. وفي رواية العمري عن نافع زيادة «فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده» .
ومات فتى الفتيان وهو يحنّ إلى الجنّة، ويتغنّى بنعمائها، ويستهين بالعدوّ وعَدده وعُدده، وبزخارف الدنيا. وأثابه الله بجناحيه جناحين في الجنة، يطير بهما حيث يشاء، ولذلك سمي بجعفر
(1) كذلك في البداية والنهاية لابن كثير 4/ 278 ط. دار إحياء التراث العربي.