فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 181

الطيار، وبجعفر ذي الجناحين. ولما قتل جعفر بعد القتال بمثل هذه الضراوة والبسالة أخذ الراية عبد الله بن رواحة، وتقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد حتى حاد حيدة، ثم قال:

أقسمت يا نفس لتنزلنه .... .... .... .... .... كارهة أو لتطاوعنه

إن أجلب الناس وشدوا الرنه ... مالي أراك تكرهين الجنه

ونزل عن فرسه، وأتاه ابن عمّ له، بعظم عليه بعض لحم، وقال: شدّ بهذا صلبك، فإنّك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذ بيده وأخذ منه بفمه يسيرا، ثمّ ألقاه من يده، وأخذ سيفه فتقدّم وقاتل حتى قتل. وحينئذ تقدم رجل من بني عجلان- اسمه ثابت بن أرِقم- فأخذ الراية وقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية قاتل قتالا مريرا، فقد روى البخاري عن خالد بن الوليد قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية. وفي لفظ آخر: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية. وقد استدل ابن كثير بهذه الرواية على انتصار المسلمين في المعركة فانكسار الأسياف في يد خالد رضي الله عنه توحي بكثرة القتلى والجرحى في صفوف العدو .. واستدل كذلك برواية البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف الموقف بعد تولى خالد القيادة بالفتح .. وبذلك رد ابن كثير قول ابن اسحق بأن المسلمين فقط نجحوا بالانحياز والخروج غير مغلوبين .. وقد وافق ابن كثير من أهل المغازى موسى بن عقبة والواقدى والبيهقى والزهرى في بحث وافٍ في البداية فراجعه [1] .. وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم مؤتة- مخبرا بالوحي، قبل أن يأتي إلى الناس الخبر من ساحة القتال-: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم. ومع الشجاعة البالغة والبسالة والضراوة المريرتين كان مستغربا جدا أن ينجح هذا الجيش الصغير في الصمود أمام تيارات ذلك البحر الغطمطم من

(1) راجع البداية والنهاية 4/ 283 دار إحياء التراث. وراجع كذا هناك (فَصْلٌ فِي فَضْلِ هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءِ الثَّلَاثَةِ زَيْدٍ وَجَعْفَرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ) 4/ 290.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت