فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 181

هؤلاء هم الفرسان الثلاثة .. أو الأربعة .. (هؤلاء زيد، وجعفر، وابن رواحة استشهدوا ثلاثتهم في سبيل الله في موقعة واحدة. وقال فيهم صلى الله عليه وسلم: لقد رفعوا إلىّ الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سرير صاحبيه؛ فسأل: لم هذا؟ فقيل: مضيا، وتردّد عبد الله بعض التردد ثم مضى. أترى إلى هذه العبرة والموعظة الحسنة! فإنما معناها أن المؤمن لا يجوز له أن يتردد أو يخاف الموت في سبيل الله؛ بل يجب عليه، كلما مضى في أمر يؤمن بأنه لله، أن يحمل حياته على كفّه، وأن يلقى بها في وجه من يقف في سبيله؛ فإما فاز وظفر فبلغ ما يؤمن به من حق الله والوطن، وإمّا استشهد فكان المثل الحيّ لمن بعده والذكر الباقي لروح عظيم عرف أن قيمة الحياة ما يضحّى بالحياة في سبيله، وأن الإمساك على الحياة في مذلة إهدار للحياة، فما يستحق صاحبها بعد ذلك في الحياة ذكرا؛ وأن الرجل يلقي بيديه إلى التهلكة إذا هو عرّض حياته تعريضا تذهب معه ضحيةَ غرضٍ وضيعٍ، وأنه كذلك يلقي بيديه إلى التهلكة إذا هو أمسك على حياته حين يدعوه داعي الحق جلّ شأنه ليقذف بها في وجه الباطل ليسحقه، فيواريها هو بالحجاب ويخاف عليها الموت خوفا هو شرّ من الموت. وإذا كان التردّد القليل من ابن رواحة مع إقدامه بعد ذلك واستشهاده، قد جعله في غير مكانة زيد وجعفر اللذين اقتحما صفوف الموت اقتحاما وطارا للاستشهاد فرحا، فما بالك بالذي ينكص على عقبيه طمعا في جاهٍ أو مالٍ أو غرض من أغراض الحياة! إنه إذا للحشرة الحقيرة وإن عرض عند السواد جاهه، وإن بزّ مال قارون ماله. وهل لنفس إنسانية أن تغتبط حقّا لشيء اغتباطها للتضحية في جانب ما تؤمن بأنه الحقّ، حتى تنتهي من ذلك إلى الاستشهاد في سبيل الحق، أو إلى تمليك الحق الحياة [1] !

إن أهم ما يثير الدهشة، في هذه الغزوة، تلك النسبة الكبيرة من الفرِق بين عدد المسلمين فيها وعدد مقاتليهم من الروم والمشركين العرب! .... . ومكان الدهشة في الأمر، أن تجد المسلمين بعد هذا كله- وهم سرية ليس فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلم- مقبلين غير مدبرين، لا يقيمون لكل هذه الحشود الهائلة أمامهم وزنا، مع أنها- فيما يبدو ويظهر- لو التفّت من حولهم وطوقتهم من جهاتهم، لانقلبوا إلى ما يشبه نواة صغيرة في جوف قطعة أرض سوداء! .. ثم إن مكان الدهشة بعد ذلك، أن يصمد المسلمون لقتال هذا اليمّ المتلاطم. يقتل أميرهم الأول، ثم الثاني، فالثالث، وهم

(1) حياة محمد صلى الله عليه وسلم لمحمد حسين هيكل الهيئة العامة للكتاب / مصر، ص 257.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت