يقتحمون أبواب الشهادة في نشوة بالغة وإقبال عجيب، حتى يدخل الرعب الإلهي في أفئدة كثير من المشركين، دون أن يكون له سبب ظاهر، فينكشفون عن مواقعهم ويدبر منهم الكثير، وتقتل منهم خلائق لا تكاد تحصى! .. ولكن الدهشة كلها تزول، والعجب ينتهي، إذا تذكرنا ما يفعله الإيمان بالله، والاعتماد عليه، واليقين بوعده ... فالمسلمون- كما قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه- لا يقاتلون بعدد ولا قوة، ولا كثرة، وإنما يقاتلون بهذا الدين الذي أكرمهم الله به [1] ..
إنه ما نتحدث عنه مرارًا وتكرارًا من صناعة الرجال في مدرسة الإيمان؛ ثم تركهم يصوغون معاني البطولة على أرِقى ما يكون في دفاتر التاريخ، وعرصات الحياة .. لم يكن معهم محمد صلى الله عليه وسلم سوى بالقلب والدعاء والفخر الذي يملأ روحه وهو يراهم يسطرون في جبين الدهر أسماءهم .. لم يكن معهم ولكن نجحت تربيته فيهم لأقصى الحدود .. ولا أدل على ذلك من فخر الله سبحانه وتعالى ومباهاته بهم في أشرف كتبه يقول"مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29 من سورة الفتح) .. ولعل ختام سورة الفتح بهذه الآية يرسم التفاؤل في قلوب أتباع محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه ويبشرهم بالنصر والفتح والتمكين من رب العالمين .. وإنها المرة الوحيدة التي تنعي فيها السماء رجالا تسميهم من أهل الأرض .. وما ذلك إلا لأن إيمانهم ويقينهم وبطولاتهم .. قد حازت رضا الله سبحانه .. فشهدت لهم السماء قبل شهادة الأرض .. لقد أبلغ الوحى ببطولاتهم، واستشهادهم، ومنازلهم في جنة رب العالمين، فأى منقبةٍ بعد ذلك؟! هل علمت الآن أن مجرد ذكر الفوارس والفروسية في غير الإسلام سفهٌ وجهلٌ وخنوثةٌ .. فما بالنا بمن يفرضهم في الثقافة والأدب والإعلام على أنهم؛ ولا غيرهم؟!!!"
(1) فقه السيرة للبوطى دار الفكر / دمشق 1/ 261.