فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 181

يده! وبالعزائم والقلوب المخبتة تقاد الشعوب. قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: 24) . وما أحوج العمل الإسلامي للقادة الربانيين، عبَّاد الليل، الذين يعرفون برِقة القلب، وطهارة النفس .. ! الصفة الثانية: أنه لم يكن رأسًا لحزب أو قائدًا لجماعة، فانتماؤه للإخوان المسلمين، وقيادته لحركة حماس، لم تجعله رجلًا حزبيًا مغلقًا ينطلق لنصرة جماعته، بل أحسبه والله حسيبه رجل أمة صادق اللهجة، اتسع أفقه لتربية الناس جميعًا على الولاء لدين الله، والتناصر لخدمة قضيتهم الكبرى .. وهذه التي لا يقوى عليها إلا الخُلَّص من أولياء الله. وما عرفت أن الإسلاميين بمختلف توجهاتهم أجمعوا في العقود الأخيرة على أحد كما أجمعوا على الشيخ ابن باز والشيخ أحمد ياسين - رحمهما الله -.

الصفة الثالثة: كان الشيخ - رحمه الله - رجل عامة عاش مع الناس بهمومهم وآلامهم، وكان يشاطرهم أحزانهم وفقرهم، لم يتميز عنهم بمال أو جاه .. رجل معطاء سخي النفس يتفقد الناس بالصلة، فتح للناس صدره وداره، وكان له أثر كبير في علاج مشكلاتهم وخلافاتهم؛ فأحبوه، والتفوا حوله [1] .

إنَّ الإمامة في الدين ليست منصبًا أو منحة أو جاهًا يتزين به الإنسان، بل هي منزلة ربانية جليلة لا تؤخذ إلا بحقها. قال الله تعالى: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: 124) .

روي أنّ عمر بن الخطاب لما استبطأ فتح مصر بعث إلى عمرو بن العاص أربعة رجال - رضي الله عنهم أجمعين - وأعلمه أنّ الرجل منهم مقام الألف. وهكذا هم الرجال الذين يُستشعر فضلُهم وقدرُهم وفقدُهم، قد ترى أحدهم في هيئة متواضعة، وجسد ضعيف متهالك، لكنه يكشف لك عند الشدائد عن قلب أسد، وفعل بطل!! ... ترى الرجل النحيل فتزدريه ... وفي أثوابه أسدٌ هصورُ. ... وإننا نحسب أنّ الشيخ أحمد ياسين - رحمه الله - واحد من هؤلاء ببذله وجهاده وعطائه، الذي لم يتوقف على الرغم من تتابع المحن والمصائب، وتراكم الأمراض والنوائب. فلم يكن الشيخ يومًا مبعثًا للعطف أو الرحمة؛ إذْ كان مُقْعدًا حرَّكتْ

(1) من مجلة البيان عدد 199/ص 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت