قُلْتُ: بَلَى، قَالَ:"فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ"، قَالَ: فَلَمْ يَعْدُ أَنْ قَالَهَا، فَتَوَاضَعْتُ لَهَا (فلم يَعْدُ، من عدا يعدو، أي: فما تجاوز قولَ هذه المقالة أن تواضعتُ لهذه المقالة.) ، فَقَالَ:"أَمَا إِنِّي أَعْلَمُ مَا الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِسْلَامِ، تَقُولُ: إِنَّمَا اتَّبَعَهُ ضَعَفَةُ النَّاسِ، وَمَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ، وَقَدْ رَمَتْهُمْ الْعَرَبُ. أَتَعْرِفُ الْحِيرَةَ (بلاد اليمن اليوم) ؟"قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ سَمِعْتُ بِهَا. قَالَ:"فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ، حَتَّى تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ (= المرأة المسافرة للحج وغيره) مِنَ الْحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ (أى من غير حماية وهى كناية عن الأمان وبلوغ ملك الإسلام الآفاق) ، وَلَيَفْتَحَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ (ملك الفرس أعظم قوة عسكرية وحضارية حينها) "قَالَ: قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ:"نَعَمْ، كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَلَيُبْذَلَنَّ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ"قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ:"فَهَذِهِ الظَّعِينَةُ تَخْرُجُ مِنَ الْحِيرَةِ، فَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارٍ، وَلَقَدْ كُنْتُ فِيمَنْ فَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَهَا" [1] ...
وفى حديث آخر عن عدي بن حاتم كان عند النبي (ص) إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل (وكان عدي قد وفد على النبي(ص) ليدخل في الاسلام وخشي النبي (ص) أن يفت في عضده ويثبطه عندما يرى من ضعف أهله وفقرهم وعدم انتشار الأمن في أرضهم حينذاك فألقى بالبشارات المذكورة في الحديث ترغيبا وتثبيتا) فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة قال: لم أرها وقد أنبئت عنها قال: إن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله وفي رواية إنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير قال عدي: قلت فيما بيني وبين نفسي فأين دعار طيء الذين سعروا البلاد وأكمل النبي (ص)
(1) 81 (صحح محققي المسند إسناده) وقال الحافظ في"الفتح"6/ 613 في شرح حديث البخاري السالف: قوله:"فلا يجد أحدًا يقبله منه"، أي: لعدم الفقراء في ذلك الزمان، تقدم في الزكاة قول من قال: إن ذلك عند نزول عيسى بن مريم عليه السلام، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز، وبذلك جزم البيهقي في"الدلائل"من طريق يعقوب بن سفيان بسنده إلى عمر بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: إنما ولي عمر بن عبد العزيز: ثلاثين شهرًا ألا والله ما مات حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، يتذكر من يضعه فيه، فلا يجده، وقد أغنى عمر الناس. قال البيهقي: فيه تصديق ما روينا في حديث عدي بن حاتم. انتهى. ولا شك في رجحان هذا الاحتمال على الأول لقوله في الحديث:"ولئن طالت بك حياة".ا. ه.