فصدق الله حتى قتل فذلك في الدرجة الرابعة. فَجَعَلَ الْعَزْمَ عَهْدًا وَجَعَلَ الْخُلْفَ فِيهِ كَذِبًا والوفاء به صدقًا
وهذا الصدق أشد من الصدق الثالث فإن الناس قد تسخو بالعزم ثم تكيع عند الوفاء لشدته عليها ولهيجان الشهوة عند التمكن وحصول الأسباب.
الصدق الخامس: فِي الْأَعْمَالِ، وَهُوَ أَنْ يَجْتَهِدَ حَتَّى لَا تَدُلَّ أَعْمَالُهُ الظَّاهِرَةُ عَلَى أَمْرٍ فِي بَاطِنِهِ لا يتصف هو به؛ لا بأن يترك الأعمال ولكن بأن يستجر الباطن إلى تصديق الظاهر. وهذا مخالف ما ذكرناه من ترك الرياء لأن المرائي هو الذي يقصد ذلك، ورب واقف على هيئة الخشوع في صلاته ليس يقصد به مشاهدة غيره، ولكن قلبه غافل عن الصلاة، فمن ينظر إليه يراه قائما بين يدي الله تعالى، وهو بالباطن قَائِمٌ فِي السُّوقِ بَيْنَ يَدَيْ شَهْوَةٍ مِنْ شهواته .. فهذه أعمال تعرب بلسان الحال عن الباطن إعرابا هو فيه كاذب، وهو مطالب بالصدق في الأعمال، وكذلك قد يمشي الرجل على هيئة السكون والوقار وليس باطنه موصوفًا بذلك الوقار فهذا غير صادق في عمله؛ وإن لم يكن ملتفتًا إلى الخلق ولا مرائيًا إياهم. ولا ينجو من هذا إلا باستواء السَّرِيرَةِ وَالْعَلَانِيَةِ بِأَنْ يَكُونَ بَاطِنُهُ مِثْلَ ظَاهِرِهِ أو خيرًا من ظاهره. إذن مخالفة الظاهر للباطن إن كانت عن قصد سميت رياء ويفوت بها الإخلاص، وإن كانت عن غير قصد فيفوت بها الصدق.
قال يزيد بن الحارث: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته فذلك النصف، وإن كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل، وإن كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور.
وقال عطية بن عبد الغافر: إذا وافقت سريرة المؤمن علانيته باهى الله به الملائكة يقول هذا عبدي حقًا. وقال عبد الواحد بن زيد: كان الحسن إذا أمر بشيء كان من أعمل الناس به، وإذا نهي عن شيء كان من أترك الناس له، ولم أر أحدًا قط أشبه سريرة بعلانية منه. وكان أبو عبد الرحمن الزاهد يقول: إلهي عاملت الناس فيما بيني وبينهم بالأمانة، وعاملتك فيما بيني وبينك بالخيانة ويبكي. وقال أبو يعقوب النهر جوري: الصدق موافقة الحق في السر والعلانية. فإذن مساواة السريرة للعلانية أحد أنواع الصدق.