الله نصره وهزم الروم ومنحوا المسلمين أكتافهم، فقتلوا منهم خلقا كثيرًا حتى امتلأت الأرض بالجثث، وقدر عدد القتلى بمائة وخمسين ألفا، أي أن كل مسلم قد قتل عشرة من الروم، ووقع ملك الروم"أرمانوس"وبطارقته جميعا أسرى بأيدي المسلمين وحمل"أرمانوس"إلى السلطان"ألب أرسلان"فلما وقف بين يديه ضربه بيده ثلاث مقارع وقال: لو كنت أنا الأسير بين يديك ما كنت تفعل؛ قال: كل قبيح، قال فما ظنك بي؛ قال: اما أن تقتل بعد أن تشهر بي في بلادك، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني قال: ما عزمت على غير العفو والفداء، فافتدي نفسه بمليون ونصف من الدنانير، فقام بين يدي السلطان وسقاه شربة ماء وقبل الأرض بين يديه، وقد ترك له السلطان عشر ألاف دينار ليتجهز بها وأطلق معه جماعة من البطارقة الأسرى [1] .
294 -لعل الله يرى ذلك فيغفر لي
-حرص عابدة على الجهاد وحرص ابنها على الشهادة.
فقد أخرج ابن الجوزي وابن النحاس تلك القصة التي يقصها علينا أبو قدامه الشامي يقول - رحمه الله: كنت أميرا على الجيش في بعض الغزوات قد خلت بعض البلدان فدعوت الناس إلى الجهاد ورغبتهم في الثواب وذكرت فضل الشهادة ثم تفرق الناس، وسرت إلى منزلي فإذا بامرأة من أحسن الناس تنادي، يا أبا قدامه فقلت هذه مكيدة من الشيطان فلم أجبها فعادت تنادي فلم أجبها فقالت: ما هكذا يفعل أرباب الصلاح بأهل الإرادة، فوفقت لها: فجاءت ودفعت إلي رقعة وحزمة مشدودة ثم انصرفت وهي تبكي قال: فنظرت إلى الورقة وإذا مكتوب فيها: دعوت الناس إلى الجهاد وحرضتهم على الثواب وأنا امرأة ولا قدره لى على الجهاد وقد، قطعت أحسن ما في وهما ضفيرتاي وقد، أتيت بهما لتجعلهما قيدا لفرسك، لعل الله يرى ذلك فيغفر لي فلما كانت ليلة القتال أخرجت الضفرتين فقيدت
(1) «سير أعلام النبلاء» (18/ 316) ، و «تاريخ الإسلام» للذهبي، و «حوادث ووفيات» (461، 470) ، (ص 2) ، و «الكامل» في التاريخ (4/ 298) ، و «دولة السلاجقة» (1/ 123) .