بهما فرسي فلما طلع الفجر ووقع القتال فإذا أنا بغلام حسن الوجه صبور على الشدائد فتقدمت إليه: يا بني أنت راجل ولا أمن عليك أن تجول الخيل فتطؤك بأرجلها فارجع إلى موضعك، قال: فالتفت إلي وقال: كيف أرجع وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) } [الأنفال:15] قال: فأعطيته قوسا كان معي، فقال: يا أبا قدامه أقرضني ثلاثة أسهم فقلت ما هذا القرض؛ فقال: بالله عليك أقرضني قال: فأعطيته سهما فوضعه في قوسه فقتل روميا، فقلت: أنا شريك في هذا الثواب، قال فقال: نعم: فأعطيته سهما أخر فقتل به روميا آخر، ثم ناولته سهما، فجاءه سهم بين عينيه فخر صريعا، فوقفت عليه، وقلت يا ولدي لا تنسني فأنك عاهدتني فقال: نعم، ثم قال: يا أبا قدامه لي حاجة إذا دخلت المدينة، فائت والدتي وسلم عليها عني وناولها هذا الخرج، فقلت: ومن والدتك؛ قال: التي قطعت شعرها وقالت اجعله قيدا لفرسك، قال فاشتغلت بالبكاء فقضى نحبه - رحمه الله -، فدفنته فلما أنقضي القتال وعدت إلى قبره رأيته على وجه الأرض قد قذفته فحفرت له حفرة أخري فدفنته ثانيا، فقال: أصحابنا دعه فهو غلام لعله خرج من غير أذن والدته، قال: فوقعت في حيرة، فأذن مؤذن العشاء فقمت فصليت وجعلت أتضرع إلى الله وأبكي وأقول يا رب ما ادري ما أصنع به، قال: فسمعت صوتا ينادي: يا أبا قدامه دع ولي الله وذهب، فتركته فنزلت طيور فأكلته وأنت السباع فابتلعت العظام، فلما أتيت المدينة ذهبت إلى بيت والدته فطرقت الباب فخرجت طفلة صغيرة، فلما رأت الخرج رجعت ونادت يا أماه: جاء أبو قدامه بخرج أخي أصبنا في العام الأول بأبي وفي الثاني بأخي: وفي هذا بأخي الأخر، قال: فكدت أتلف من البكاء فخرجت تلك المرأة وهي تقول: أمهنيا جئت أما معزيا؛ إن كان ولدي قد استشهد فهنني، فقلت: لا والله بل استشهد، فقالت وما علامة ذلك؛ قلت: قتل قالت: قبلته الأرض أم لا؛ قلت لا والله، قالت الحمد لله ثم فتحت صندوق وأخرجت مسحا أسود، وغلا من حديد، وقالت انه كان إذا جنه الليل يلبس هذا المسح ويغل يده بهذا الغل، ويقول: إلهي: احشرني من حواصل الطير وبطون السباع فمالي عين تراك، وقد استجاب الله منه ذلك.