قال ميمون: قد أحسنت إليك، فأنت حرة لوجه الله تعالى [1] .
318 -أرى الموت بين السيف والنطع كامنًا
قال أحمد بن أبي داود: ما رأيت رجلًا نزل به الموت فما شغله ذلك ولا أذهله عما كان يجب أن يفعله إلا تميم ابن جميل، فإنه كان تغلب على شاطئ الفرات فظفر به، ووافى به الرسول باب المعتصم في يوم الموكب في حين جلوسه للعامة فأدخل عليه، فلما مثل بين يديه دعا بالنطع والسيف فأحضرا، وجعل تميم بن جميل يصعد النظر إلى ذلك ولا يقول شيئًا، وجعل المعتصم يصعد النظر فيه ويصوبه، وكان جسيمًا وسيمًا، فرأى أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه من منظره، فقال: يا تميم، إن كان لك عذر فأت به أو حجةٌ فأدل بها، فقال: أما إذ قد أذنت لي يا أمير المؤمنين بالكلام فإني أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين،"ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين"، يا أمير المؤمنين جبر الله بك صدع الدين ولأم بك شعث الأمة وأخمد بك شهاب الباطل وأوضح بك سراج الحق يا أمير المؤمنين، إن الذنوب تخرس الألسنة، وتصدع الأفئدة، ولقد عظمت الجريرة وكبر الذنب وساء الظن، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما منك وأسرعهما إليك أولاهما بإمامتك وأشبههما بخلافتك، ثم أنشد:
أرى الموت بين السيف والنطع كامنًا ... يلاحظني من حيثما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئٍ مما قضى الله يفلت
ومن ذا الذي يدلي بعذرٍ وحجةٍ ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعز على أبناء تغلب موقفٌ ... يسلّ على السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبيةً قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرةٍ تتفت
كأني أراهم حين أنعي إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا
(1) و «العافين عن الناس» (ص: 16) .