أمير المؤمنين وإنك لأوحد في شأنك كله وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه ولا انتهى إلينا خبره فأبهجه قولهم وسره وبينما هو كذلك إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد واجما ناكس الرأس فلما أخذ مجلسه قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف المذهب واقتداره عليه وعلى أبدًاعه فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته وقال له والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان -لعنه الله تعالى - يبلغ منك هذا المبلغ ولا أن تمكنه من قلبك هذا التمكين مع ما آتاك الله من فضله ونعمته وفضلك به على العالمين حتى ينزلك منازل الكافرين قال فانفعل عبد الرحمن لقوله وقال له انظر ما تقول وكيف أنزلني منزلتهم فقال له نعم أليس الله تعالى يقول: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون} فوجم الخليفة واطردت عيناه وأطرق مليا ودموعه تتساقط خشية وخشوعا لله تعالى ثم أقبل على منذر فقال له جزاك الله يا قاضي عنا وعن نفسك خيرًا وعن الدين والمسلمين أجمل جزائه وكثر في الناس أمثالك فالذي قلت هو الحق وقام من مجلسه ذلك وأمر بنقض سقف القبة وأعاد قرمدها ترابا على صفة غيرها [1] .
343 -العز بن عبد السلام والسلطان أيوب.
قال الشيخ الباجي: طلع عز بن عبد السلام مرة إلى السلطان في يوم عيد إلى القلعة فشاهد العسكر مصطفين بين يديه ومجلس المملكة والسلطان فيه يوم العيد من الأبهة، وقد خرج على قومه في زينته على عادة سلاطين الديار المصرية وأخذت الأمراء تقبل الأرض بين يديه، فالتفت الشيخ إلى السلطان وناداه يا أيوب: ما حجتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك مصر ثم تبيح الخمور؛؛!
فقال السلطان، هل جرى ذلك؛!
فقال: نعم الحانة الفلانية يباع فيها الخمور وغيرها من المنكرات وأنت تتقلب في نعمة هذه المملكة، يناديه بأعلى صوته والعساكر واقفون، فقال السلطان أيوب: يا سيدي هذا من زمان أبي، فقال الشيخ: أنت من الذين
(1) «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» (1/ 199) ، «تاريخ قضاة الأندلس» (1/ 72) ، و «شذرات الذهب» لابن العماد (3/ 4) .