القضاة، الفرج بن كنانة الكناني، رحل إلى المشرق، وسمع من عبد الرحمن بن القاسم وغيره. ولما قدم من رحلته، استخلصه الأمير الحكم بن هشام، وولاه قضاء الجماعة بقرطبة. وهو كان القاضي بها أيام الهرج المعروف بوقيعة الربض. ومما جرى له حينئذ، أن بعض أصحاب الأمير الحكم، الذين أرسلهم على الناس، تعلقوا بجار الفرج بن كنانة، أتهموه بالحركة في الصبح، وتسوروا عليه. وصاح نساؤه؛ فسمع القاضي الصراخ؛ فقال: ما هذا؟
فقيل: جارك فلان تعلق به الحرس؛ فأخرجوه ليقتل فبادر الخروج، وكف القوم عن جاره، وقال لهم: إن جاري هذا بريء الساحة، سليم الناحية، وليس فيه شيء مما تظنون. فقال له رئيس الحرس، المرسل معهم: ليس هذا من شأنك، عليك بالنظر في أحباسك وحكومتك ودع ما لا يعنيك فغضب الفرج عند ذلك، ومشى إلى الأمير الحكم؛ فاستأذن عليه.
فلما دخل، قال له بعد السلام: أيها الأمير إن قريشًا حاربت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وناصبته العداوة في الله تعالى؛ ثم إنه صفح عنهم، لما أظفره الله تعالى بهم، وأحسن إليهم. وأنت أحق الناس بالاقتداء به، لقرابتك منه، ومكانك من خلافته في عباد الله ثم حكى له قصة جاره، وما عرض له في الدفاع عنه.
فأمر بتخليه سبيله، وبعقاب الناظر الذي عارض القاضي؛ وعفا عند ذلك عن بقية أهل قرطبة، وبسط الأمان بجماعتهم، وردهم إلى أوطانهم [1] .
473 -من آذى جاره ورثه الله داره
قال المكي: كنت عند سفيان بن عيينة وجاء رجل فقال له: إن جاري قد آذاني، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من آذى جاره ورثه الله داره، فقال له: إن هذا لفي كتاب الله - رضي الله عنه -، قال الرجل: وأين ذلك؟ قال: قال الله - رضي الله عنه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ
(1) «تاريخ قضاة الأندلس» (1/ 53) .