واحدة من هاتين الخصلتين: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) } [الزمر:13] أخاف نارا لا يخبو سعيرها ولا يخمد لهبها فلما انصرف الرسول إليها فأبلغها ما قال قالت وأراه مع هذا زاهدا يخاف الله تعالى والله ما أحد أحق بهذا من أحد وإن العباد فيه لمشتركون ثم انخلعت من الدنيا وألقت علائقها خلف ظهرها ولبست المسوح وجعلت تعبد وهي مع ذلك تذوب وتنحل حبا للفتى وأسفا عليه حتى ماتت شوقا إليه فكان الفتى يأتي قبرها فرآها في منامه وكأنها في أحسن منظر فقال كيف أنت وما لقيت بعدي فقالت:
نعم المحبة يا حبيبي حبكا ... حب يقود إلى خير وإحسان
فقال على ذلك إلى ما صرت فقالت:
إلى نعيم وعيش لا زوال له ... في جنة الخلد ملك ليس بالفاني
فقال لها اذكريني هناك فإني لست أنساك فقالت ولا أنا والله أنساك ولقد سألتك ربي مولاي ومولاك فأعني على ذلك بالاجتهاد ثم ولت مدبرة فقلت لها متى أراك قالت ستأتينا عن قريب فلم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليال حتى مات رحمهما الله [1] .
712 -أم كيف بك لو قد ساءلك منكر ونكير؟
يُحكى: أن قوما أمروا امرأة ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خثيم فلعلها تفتنه، وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم، فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه، ثم تعرضت له حين خرج من مسجده، فنظر إليها فراعه أمرها، فأقبلت عليه وهي سافرة، فقال لها الربيع: كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك، فغيرت ما أرى من لونك، وبهجتك؟
أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت، فقطع منك حبل الوتين؟
أم كيف بك لو قد ساءلك منكر ونكير؟
فصرخت صرخة فسقطت مغشيا عليها، فوالله لقد أفاقت وبلغت من عبادة
(1) من كتاب «التوابين» لابن قدامه المقدسي (266 - 267) .